يبدو أن عام 2025 سيكون نقطة تحول تاريخية لأسواق القهوة في مواجهة التحديات الكبرى المرتبطة بتغير المناخ وتطور سوق المستهلكين، إذ يشهد هذا القطاع تغيراً سريعاً.
فقفزت أسعار العقود الآجلة للقهوة أكثر من 30 في المئة منذ بداية العام، مما بدأ يؤثر بصورة مباشرة في جيوب المستهلكين حول العالم.
وارتفعت أسعار البن المحمص 2.5 في المئة خلال يناير (كانون الثاني) الماضي مقارنة بالعام السابق، بينما قفز سعر القهوة الفورية 7.1 في المئة وفقاً لتقارير سوق الاستهلاك العالمية الصادرة أول من أمس الإثنين، في حين اعتبرت شركات تجارة القهوة العالمية أن ارتفاع الأسعار أمر لا مفر منه في المستقبل القريب، وفقاً لتقرير بنك الاستثمار الدنماركي “ساكسو بنك” في نهاية ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.
وتفاجأ صناع القهوة بمستويات أسعار البن غير المسبوقة، فعام 2024 شهدت السوق العالمية فترة من الاضطراب وصلت خلالها الأسعار إلى مستويات قياسية منذ ما يقارب ثلاثة عقود، مما أثار قلق المستهلكين والمهنيين في هذا القطاع.
ووصلت الأسعار المرجعية لصنف “أرابيكا” إلى 3.08 دولار للرطل أي ما يقارب 6.7 دولار للكيلوغرام في بورصة “إنتركونتيننتال” في الـ25 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بنسبة تخطت الـ62 في المئة منذ يناير 2024، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 1997، وطاولت الزيادات أيضاً سعر قهوة “روبوستا”.
إلى ذلك، يخشى المتخصصون في صناعة القهوة من نقص السلع وزيادة الكلف على المستهلكين، فقال رئيس علامة “إيلي” للقهوة الشهيرة أندريا إيلي “تشهد أسعار القهوة عاصفة وارتفاع الأسعار أمر لا مفر منه”، مستدركاً “لكن ليس من الواضح بعد إلى متى ستستمر هذه الزيادة”.
ومع ذلك، أوضحت الشركات الكبيرة مثل “ستاربكس” أن تأثير زيادة الأسعار كان محدوداً بفضل استراتيجيات التحوط طويلة المدى، إذ تشتري القهوة بكميات كبيرة مسبقاً.
وقالت مؤسسة شركة “بول جون كافيين” شونالي بول من جهتها إن “القهوة سريعة التحضير أرخص بطبيعتها، مما يجعل زيادات الأسعار أقل تأثيراً في المستهلكين من الأنواع الأخرى”.
مع ذلك تتوقع التقارير أن الضغط على سوق القهوة سريعة التحضير سيظل صعباً بسبب ارتفاع كلف الشحن والعمالة في سياق التحديات المناخية واللوجستية المستمرة في الأسواق العالمية.
ويُعد تغير المناخ أحد الأسباب الرئيسة وراء ارتفاع أسعار القهوة، إذ أدت الكوارث الطبيعية، بما في ذلك الجفاف في البرازيل والأمطار الغزيرة في كثير من البلدان المنتجة، إلى ارتفاع الأسعار عام 2024، فتتسبب هذه الأحداث المناخية المتطرفة في تعطيل المحاصيل وتقليل الكميات المعروضة عالمياً من القهوة.
وقطاع القهوة معرض بصورة خاصة للأخطار المناخية وتتطلب مزارع البن ظروفاً محددة، وأي خلل في التوازن يمكن أن تكون له عواقب وخيمة. ويخشى المحللون من أن يؤدي تغير المناخ إلى جعل هذه الكوارث أكثر تكراراً وأكثر حدة، مما يهدد استدامة إنتاج القهوة، بالتالي يؤثر بصورة متزايدة في أسعارها.
انخفاض الإنتاج في البرازيل بنسبة 20 في المئة
وتضررت البرازيل وفيتنام، أكبر منتجي القهوة في العالم، بشدة من الكوارث الطبيعية عام 2024، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية، إذ انخفض إنتاج البرازيل 20 في المئة بسبب الجفاف الطويل. وضغط هذا الانخفاض الكبير في العرض على الأسعار العالمية وأدى إلى زيادة حتمية في أسعار القهوة، أما في فيتنام فتسببت الأعاصير أيضاً في أضرار جسيمة لمزارع “روبوستا”.
ويلقي انخفاض الإنتاج في هذين البلدين بثقله على السوق العالمية، مما يتسبب في ارتفاع الأسعار ومخاوف من النقص.
وعلى رغم تراجع حجم المعروض من القهوة، فإن الطلب العالمي عليها مستمر في النمو، خصوصاً في الأسواق الناشئة مثل آسيا، مما أدى إلى ضغوط إضافية على الأسعار، وعلاوة على ذلك فإن التغيرات في سلوك المستهلك مثل تزايد شعبية حبوب البن تساعد في دعم الطلب، ويؤدي هذا التغيير في عادات الاستهلاك إلى تفاقم الضغوط على سوق القهوة التي أضعفتها مشكلات العرض.
البن الأفريقي
وتشهد البلدان المصدرة للبن انخفاضاً في حجم صادراتها بسبب تراجع الإنتاج، ومن المتوقع أن ينخفض إجمالي إنتاج البرازيل التي تمثل نحو 47 في المئة من إمدادات “أرابيكا” العالمية إلى 66.4 مليون كيس في 2024-2025، مقارنة بـ86.3 مليون كيس في 2023-2024 (وزن الكيس 60 كيلوغراماً) ويؤثر الانخفاض في الصادرات في البلدان الأفريقية المنتجة.
ومع ذلك تهدف إثيوبيا، المنتج الرائد في أفريقيا، إلى الوصول إلى ملياري دولار من عائدات تصدير البن في 2024-2025، بينما تتوقع ساحل العاج، أكبر منتج في غرب أفريقيا، زيادة طفيفة في محصولها إلى 1.4 مليون كيس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤدي انخفاض الإنتاج وزيادة الطلب إلى الضغط على المعروض من القهوة وإلى تناقص المخزونات العالمية، مما يجعل السوق أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.
وتتوقع وزارة الزراعة الأميركية انخفاضاً بنسبة 26 في المئة في مخزون القهوة النهائي في البرازيل إلى 1.2 مليون كيس خلال 2024-2025.
بورصات القهوة وأسواق العقود الآجلة
وتتفاعل الأسواق المالية بقوة مع ارتفاع أسعار البن، ففي بورصة “إنتركونتيننتال” في نيويورك وصلت أسعار “أرابيكا” إلى مستويات قياسية وتسلك “روبوستا” المدرجة في لندن الاتجاه نفسه.
ويراهن المضاربون على استمرار ارتفاع الأسعار، مما يؤدي إلى تفاقم تقلبات السوق، وتقوم صناديق الاستثمار بشراء العقود الآجلة للقهوة على نطاق واسع، متوقعة استمرار الزيادة في الأسعار، فتؤدي هذه المضاربة إلى تضخيم تحركات الأسعار وتجعل السوق أكثر توتراً.
على أية حال، ارتفاع أسعار القهوة في الأسواق العالمية يؤثر حتماً في الأسعار التي يدفعها المستهلكون، ففي المقاهي والمطاعم قفز سعر فنجان القهوة بنسبة تراوح ما بين 10 و20 في المئة في المتوسط منذ بداية عام 2024.
وتمرر بعض المقاهي والفنادق الزيادة في الكلف كاملة للمستهلك، بينما تحاول أخرى الحد من الزيادة حتى لا تفقد العملاء، وفي محال السوبرماركت لا يختلف الوضع كثيراً، فصعدت أسعار عبوات القهوة بنسبة تراوح ما بين 15 و25 في المئة خلال بضعة أشهر.
ويتعين على المستهلكين الآن أن يدفعوا مزيداً مقابل قهوتهم اليومية، وهي موازنة إضافية تؤثر في القدرة الشرائية للأسر.
وفي مواجهة ارتفاع الكلف، يتعين على المحامص وسلاسل محال القهوة أن تتكيف من أجل الحفاظ على هوامشها وقدرتها التنافسية، فيختار بعضها تقليل كمية القهوة في خلطاتها، ودمج مزيد من “روبوستا” الأرخص سعراً من “أرابيكا”، بينما يختار آخرون تمرير الزيادة في الأسعار إلى المستهلكين بالكامل.
وارتفاع أسعار القهوة يدفع المستهلكين إلى تغيير عاداتهم، فبعضهم يقلل من استهلاكه اليومي، بينما يلجأ البعض الآخر إلى بدائل أقل كلفة مثل الشاي أو المشروبات النباتية.
ومع ذلك بالنسبة إلى كثيرين تظل القهوة متعة أساسية، ومع اقتراب حلول شهر رمضان يستعد مليارا مسلم لتأثيث سهراته الرمضانية بجلسات القهوة التقليدية وهم مقبلون على مصاريف إضافية للحفاظ على طقوسهم الخاصة.
نقلاً عن : اندبندنت عربية