للنصب قواعد وأصول، وللاحتيال أدوات ومدارس فكرية وتخطيطية مختلفة ومتجددة. ولا يخلو بلد في العالم من عمليات النصب والاحتيال. المحتالون في كل مكان، وضحاياهم أيضاً في كل بقعة من بقاع الأرض، لكن تظل الفروق الاجتماعية والثقافية حاكمة في قدرة النصاب والمحتال على إقناع الناس، واستعداد الناس للوقوع في براثن هؤلاء.
وفي مصر، تتميز عمليات النصب والاحتيال بمذاقات مختلفة، ويحافظ النصابون على مر العقود على مكانة متفردة في عالم النصب على البسطاء وغير البسطاء، والاحتيال على كل من يعطّل العقل ويعادي المنطق وينجرف وراء حلم الربح الوفير والثراء السريع، من دون مجهود يذكر، أو ضرائب تُسدَد، أو عيون حكومية تنتقص من الخير المتدفق والرزق المنهمر.
اهتزازات المجتمع المتكررة
الجميع يتحدث هذه الأيام عن عملية نصب تهز منصات التواصل في مصر. نحو مئة مصري تقدموا ببلاغات رسمية تفيد بوقوعهم ضحايا عملية احتيال واستيلاء على أموالهم عبر منصة إلكترونية اسمها “أف بي سي”.
وقدرت المبالغ المستولى عليها بدعوى استثمارها في البرمجيات والتسويق الرقمي من المئة مصري بنحو مليوني جنيه مصري (نحو 39 ألف دولار أميركي). التقديرات غير الرسمية تشير إلى وقوع نحو مليون مواطن ضحية المنصة، وأن الأموال التي جرى الاستيلاء عليها تقدر بمليارات.
“اهتزاز” منصات التواصل جراء عملية النصب واسعة النطاق ليس الاهتزاز الأول، ولن يكون الأخير. في عام 2022، اهتز عالم “التوك توك”، تلك المركبة الصغيرة التي قلبت الكثير من الموازين والقيم الشعبية المصرية رأساً على عقب، حين نجح أحد قادة هذه المركبة الصغيرة في الاستيلاء على نحو ربع مليار جنيه من أهالي أسوان، جنوب البلاد، الذين سلموه مواشيهم في مقابل أرباح طائلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قبلها ببضعة أعوام، تحديداً عام 2017، اهتز عالم التصدير والاستيراد، حين تمكّنت عصابة نصبت على مئات المصريين، واستولت منهم على مئة مليون جنيه بزعم تشغيلها في تصدير واستيراد مواد بناء عبر مكتبها الكائن في شرق القاهرة.
في العام نفسه، تمكّنت عصابة في الدقهلية من النصب على عدد من أصحاب معارض بيع السيارات، واستولت منهم على ستة ملايين جنيه. كما تمكن شاب من جمع 30 مليون جنيه من 28 مواطناً بحجة تشغيلهم في السوق.
قبلها وبعدها وأثناءها، توالى ظهور “مستريح” (مصطلح مصري يطلق على النصابين) في الإسكندرية استولى من المواطنين على 30 مليون جنيه ثم هرب، و”مستريح” في الجيزة احتال على البسطاء وجمع 300 مليون جنيه واختفى، و”مستريحة” في طنطا نصبت على مواطنين واستولت على 200 مليون جنيه، وغيرها الكثير من عمليات القائمة على وعود الربح الوفير والكسب السريع وضمان البركة شرط السرية، تارة بضمان “وعد الشرف” وأخرى بأوراق تبدو رسمية وعقود مزورة لكنها متنكرة في صورة موثقة.
توثيق عمليات النصب والاحتيال التي تجري في مصر بشكل مستمر، وبسيناريو يكاد يكون ثابتاً لا يتغير، مع اختلاف الأدوات بحسب تطور الزمن، أمر مهم. الأكثر أهمية فك طلاسم وقوع الأشخاص أنفسهم في الفخ ذاته مرات ومرات، وتوريث توليفة الكسب السريع والانخداع بالمظهر، وتوقع أن تكون هذه المرة مختلفة عن المرات السابقة من جيل إلى جيل إلى جيل.
الطماع والمحتال
جيل يسلم جيلاً، لا من النصابين والمحتالين، بل من ضحاياهم الذين يثيرون علامات الاستفهام في كل مرة، من دون أن يتمكن أحد من وضع إجابات منطقية أو تقديم تفسيرات عقلانية.
الغالبية المطلقة من التفسيرات ترسخ لكليشيه واحد لا ثاني له: “طالما هناك طماع، سيبقى هناك نصاب ومحتال”. الطمع المؤدي إلى ازدهار مهنة النصب والاحتيال أكل عليها زمان شركات توظيف الأموال الإسلامية، وقبلها بيع الميادين والشوارع ووسائل المواصلات العامة، وشرب عليها في العصر الحديث عبر منصات النصب الرقمي وتطبيقات الاحتيال الإلكتروني.
كليشيه الطماع الذي يمد النصاب بأوكسجين الحياة لم يعد كافياً لتشريح الظاهرة. والصورة النمطية لضحايا النصب والاحتيال من البسطاء والمساكين والفقراء والأميين لم تعد تصلح إلا لإعادة تقديم أفلام الأبيض والأسود. ضحايا النصابين شباب وبالغون ومسنون، ذكور وإناث، متعلمون ونصف متعلمين وأميون، عمال يومية وأطباء ومهندسون ومعلمون، بل رجال ونساء يعملون في مجالات تتعلق بتطبيق القانون وتفعيل الوعي وإعمال العقل.
يحلو للكثيرين عقب كل عملية نصب واحتيال مليارية أن يسارعوا إلى رفع راية الفقر والغلب والبؤس والحاجة، الرباعي الكلاسيكي الذي يبرئ ساحة “ضحايا” عمليات النصب المتكررة. الفلاح البسيط الذي باع ما يملك من قراريط بعدما أقنعه ابن عمه بإمكانية أن تصبح الـ 50 ألف جنيه 500 ألف في أقل من عام إذا ما شغّلها فلان في السوق، وعامل البناء الذي تنقل بين ليبيا والعراق والسعودية على مدار ربع قرن حتى تمكّن من جمع 400 ألف جنيه سلمها لـ”الأستاذ” الذي حاز ثقة أهل القرية بعد ما تمكّن من ضمان فائدة شهرية لعدد من الأهل والجيران تتراوح بين خمسة وعشرة آلاف جنيه حصيلة تشغيل مدخراتهم في سوق العقارات أو السيارات أو البهائم.
وكذلك الأرملة التي ورثت عن زوجها 30 ألف جنيه لا تملك سواها فأقنعها أبناء الحلال بتسليمها لـ”الشيخ حسن” (الراجل بتاع ربنا) الذي يدير هذه الأموال في أسواق شرعية ويضمن لها دخلاً شهرياً يعينها على تربية الصغار وغيرهم الملايين من البسطاء والفقراء ممن طحنتهم الحياة الصعبة وجثم على صدورهم الغلاء والتعويم وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وخسائر قناة السويس وتعثر تحويلات المصريين من الخارج وارتفاع الدين الخارجي وتفاقم الدين الحكومي دائماً يجدون من يصنع لهم من ثالوث الفقر والعوز وحلم الخلاص السريع مخرجاً آمناً من وقوعهم السهل والسريع في شباك المحتالين.
ثلاثة أجيال
أسرة واحدة وقعت ثلاثة أجيال فيها ضحايا ثلاث عصابات نصب واحتيال مختلفة. الجد وقع في براثن إحدى شركات توظيف الأموال الإسلامية التي سطع نجمها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. الأب كان ضحية نصاب جمع الأموال من أهل القرية والقرى المجاورة للمضاربة بها في البورصة في التسعينيات. والابن أحد ضحايا أحدث عمليات النصب عبر المنصات الرقمية.
الجد حامل شهادة الثانوية العامة، والأب خريج كلية التجارة، والابن الذي درس في كلية الحاسبات والمعلومات يعيشون تحت سقف واحد. هذا يحكي لذاك ما تعرّض له من نصب عبر شركات توظيف الأموال الإسلامية في الثمانينيات، وذاك يتذكر بحسرة وألم تحويشة العمر التي خسرها في مضاربة أحدهم بها في التسعينيات، والحفيد يبكي ويتألم على ما خسر من راتب عام كامل عبر منصة نصب رقمي واحتيال إلكتروني.
وفي خضم هذا الزخم المعرفي بمفاهيم النصب، والثراء المعلوماتي بشتى أشكال الاحتيال، لا يذكر أحدهم كلمة أو يذرف دمعة على عقل غاب أو فكر بلا تفكير.
جزء من التفسير يطرحه أستاذ الطب النفسي محمد المهدي في دراسة نفسية أجراها قبل عامين عن ظاهرة النصب والاحتيال في المجتمع المصري. يقول: “حين يكون الناس أكثر قابلية للإيحاء والاستهواء والاستلاب، تستشري عدوى بين النصابين، فيتوالى ظهورهم طمعاً في المال، ويتواتر أيضاً ظهور الضحايا بأعداد أكبر، تحت تأثير الاحتياج أو الطمع أو الغفلة أو السذاجة أو الكسل أو تقليد الآخرين”.
المهدي يطلق توصيف الوقوع تحت ضغط الجموع، أو الهستيريا الجماعية، أو سلوك الحشد، حيث يفقد الشخص قدرته على القراءة الموضوعية العقلانية، ويتحرك مع الجموع بمشاعره المتوجهة نحو الكسب السريع والمتوهجة بإشاعات وأخبار هذا الكسب الذي حققه آخرون، فيفقد الناس حذرهم المتوقع، ويسلمون أموالهم بسلاسة للنصاب الذي نصب لهم الفخ من خلال تقديمه نماذج كسب محدودة، كطُعم لصيد مئات، بل آلاف، وربما ملايين الناس. وهو يستخدم قاعدة بسيطة ألا وهي “يلبس طاقية ده لده”، أي يأخذ مالاً من هذا ليسلمه لذاك وكأنه الربح المضاعف، وهلم جرا.
المهدي يقدم تفسيراً غير متداول كثيراً لشيوع وتكرار عمليات النصب والاحتيال بالطريقة ذاتها، وإن اختلفت الأدوات، شارحاً تركيبة المنصوب عليهم، ومحملاً إياهم قدراً من المسؤولية، وذلك عكس التيار الإعلامي السائد والذي يمعن في إضفاء المظلومية على المنصوب عليهم، مبرئاً ساحتهم تماماً من تكرار وقوعهم في الشباك ذاتها المرة تلو الأخرى.
هل البيئة المصرية حاضنة للخداع؟
يقول المهدي إن المشكلة ليست في أن شخصاً خدع آخرين أو نصب عليهم، أو استغلهم، فهذا يمكن أن يحدث في أي مجتمع. لكن المشكلة هي في تكرار تلك الحوادث في المجتمع المصري بصورة لافتة للنظر، من نصّاب مدينة نصر، وقبله شركات توظيف الأموال، وقبلهم وبعدهم عدد كبير من رجال الأعمال نصبوا على البنوك وأخذوا منها المليارات وهربوا، وبشكل يدعو المتخصصين في مجالات علم النفس والاجتماع لأن يدرسوا هذه الظاهرة.
ويطرح أستاذ الطب النفسي تفسيراً جديداً خاضعاً للنقاش، ألا وهو احتمالات حدوث “النصب المتكرر” على أفراد الشعب بسبب قابلية الناس للاستبداد أو الاستعمار؟ يتساءل: هل النصب المتكرر سببه أن لدينا أكبر عدد من النصابين مقارنة بغيرنا من الشعوب؟ أم لدينا عدد أكبر من السذج والغافلين والمغفلين؟ أم لدينا بيئة محرضة على النصب كما هي محرضة على الغش في الامتحانات وتزوير الانتخابات والرشوة والفساد والاستبداد والتحرش؟! يجيب المهدي أن كل ما سبق وثيق الصلة ببعضه البعض.
يتحدث المهدي عن سيكولوجية المال والتملك، معتبراً دافع التملك من أقوى الدوافع الإنسانية لدى البشر، ويبدو وكأنه بديهية من بديهيات الحياة، بل إن نظرة سريعة إلى ما يدور حولنا كفيلة بأن تسلط الضوء على أن أغلب الصراعات تدور حول التملك، سواء مال أو ممتلكات أو وطن، وإن كانت تسمى بأسماء مختلفة. موضحاً أن التملك يتصل باكتساب الكثير من الأشياء المادية، إضافة إلى القوة والسيطرة، واكتساب الشعور بالأمان، وتقدير الذات وتمددها في الزمان والمكان.
ويستطرد المهدي في شرح أسباب الرغبة في تملك مزيد من المال أو الممتلكات لدى كثيرين، ومنها ما يصل إلى درجة الشراهة، مثل الأثرياء أو المقتدرين الذين يقعون في شباك النصابين بحثاً عن المزيد حتى وإن كان بلا منطق أو سند عقلاني. يقول إن البعض يكون محروماً، لا من المال، بل من مشاعر الحب والمودة، وكم من طفل مدلل ومشبع إلى حد التخمة نشأ على فكرة الاستحواذ على ما لدى الغير، بغض النظر عن مدى احتياجه، ليعوض نقصاً في التربية.
وهناك من يندفع من دون أن يدري بحثاً عن المال باعتباره مدخلاً إلى شراء الحب من المحيطين، أو قد يكون مدخلاً إلى السلطة التي تمنح صاحبها مزايا خاصة، لا سيما في المجتمعات التي تتزاوج فيها السلطة والثروة.
ولأن الشره يعني عدم الشعور بالاكتفاء، فإن اكتناز البعض المال يشعره بالحاجة إلى المزيد طيلة الوقت، فتجده يقع في فخ النصابين مرة ومرتين وثلاث. يقول المهدي: “أحياناً يكون الوقوع في شرك النصابين والمحتالين لا يكون مرتبطاً بحاجة مالية عاجلة تهدأ بالحصول على قصر وسيارة ورصيد في البنك، بل بحاجة نفسية مستمرة لا تهدأ على رغم محاولات الإشباع المتكررة”.
يظن البعض أن تكرار عمليات النصب والاحتيال ظاهرة متصلة بالوقت الحالي، أو ظهرت عبر شركات توظيف الأموال والنصب الإسلامي في السبعينيات. حقيقة الأمر أنها قديمة قدم المجتمع، ولعل “لعبة الثلاث ورقات” إحدى أطرف وأبرز نماذج “أصالة” النصب و”قدم” الاحتيال.
في ميدان العتبة وعند سور الأزبكية وفي حي الموسكي وغيرها من الأحياء الشعبية التجارية في القاهرة، كان محترف “الثلاث ورقات” من السمات المميزة للمكان. رجل يرصّ ورقات “الكوتشينة” على صندوق خشبي في الشارع، يلتف حوله المارة، يمسك بثلاث ورقات بينها “السنيورة” أو “البنت”، يبرزها للواقفين، ويحرك الورقات بسرعة، ومن يعرف مكان “السنيورة” يكسب قرشاً أو قرشين.
في البداية يكسب أحدهم القرش، ثم يكسبه مجدداً، ثم يتشجّع الباقون فيراهنون على “السنيورة”. يجمع الرجل عشرات أو مئات القروش، ثم تبدأ عملية النصب، فيخفي “السنيورة” ولا يتمكن أي من الواقفين من تحديد مكانها.
يقول المهدي إن النصب والاحتيال له صور كثيرة، بعضها بدائي مثل “الثلاث ورقات”، والبعض الآخر يجري عبر المنصات الإلكترونية. بعضها شديد التعقيد ويعتمد على قدر بالغ الذكاء والابتكار من قبل النصاب، بل ربما يكون ذا منصب وثقة ومكانة في المجتمع، لذلك، كلما تمتع بقدرة على الغش والخداع والمراغة والكذب المتقن وتبديل الواقع وفهم أغوار النفس البشرية، وكلما امتلك مقاليد اللعب على دوافع التملك والإغراء بالمكسب السريع من دون عمل أو جهد أو منطق، يقنع المزيد من الناس بالتسليم له، وبينما هم في حالة “الخدر اللذيذ” يفيقون ذات صباح على الكارثة. ضاعت تحويشة العمر، وتبخر النصاب، وذلك في انتظار العملية المقبلة.
بين النصاب والمنصوب عليه
منظمة الأمم المتحدة تعرف الاحتيال بأنه “أي عمل يهدف إلى تضليل إنسان آخر عمداً للحصول على منفعة. يشمل الاحتيال على سبيل المثال لا الحصر إخفاء الحقائق أو تزويرها أو سرقتها أو الإبلاغ الكاذب عنها أو حجبها. ويهدف الاحتيال لتحقيق منفعة معينة”.
وعلى رغم آلاف حملات التوعية ومبادرات التثقيف ومحاولات التعريف بأن المال الذي يأتي سريعاً من دون جهد أو منطق أو سبب عقلاني، غالباً يتبخّر بالسرعة نفسها التي أتي بها، مع إضافة عنصر العمل الملتوي أو التصرف غير القانوني، فإن قناعة شعبية مصرية تسيطر على كثيرين ممن لديهم الاستعداد للوقوع في فخ النصابين بأن “هذه المرة مختلفة”، أو أن “الآخرين فقط هم من يقعون ضحايا المحتالين”.
الطريف أن الفرق الوحيد بين النصاب والمنصوب عليهم، يكون أحياناً في درجة الذكاء، وهي الدرجة التي ترشح هذا ليكون نصاباً وتضع ذاك في خانة المنصوب عليهم.
وضمن الذكاء الذي يرفع أسهم النصابين استخدام وجهات مؤثرة للإمعان في الضحك على الذقون، أحياناً بالذقون. في عملية المنصة الإلكترونية الأخيرة، التي ما زال ضحاياها يتواترون على أقسام الشرطة لتقديم البلاغات، لقاءات تعريفية كانت تجري في قاعات الفنادق الأنيقة يقوم فيها أشخاص ملتحون مزودون بعلامة التقوى ودليل الورع وبرهان الإيمان، والمسمة بـ”زبيبة (علامة) الصلاة” على جباههم، مع لحى كثيفة، وهو المظهر “الإيماني” الذي تربط قاعدة عريضة من المصريين بينه وبين الصدق والورع والتقوى والاستقامة والبركة. إنه المظهر الإيماني الذي يضع صاحبه، سواء كان رجل دين أو رجل علم أو رجل حرفة يدوية أو رجلاً بلا عمل أو علم منزلة العلماء والقديسين، ويكسبه لقب “شيخ جليل” من دون تفكير أو تدقيق.
هذا المظهر الإيماني أصبح متلازمة لإنجاح عملية النصب في المجتمع المصري منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي حقبة بدء انتشار نسخة الإيمان الجديدة المرتبطة بالتشدد والتدين المظهري. شركات توظيف الأموال الإسلامية دقت على هذا الوتر، وهو الدق الذي مكّنها من الاستيلاء على المليارات من الجنيهات من المصريين في الداخل والدولارات والريالات من المصريين في الخارج عبر 60 شركة، أغلبها يمسح نشاطه الإجرامي بمظهر إسلامي، مع وعد بالبركة التي تصف أضعاف المبالغ التي دفعها المنصوب عليهم. وتزامن ظهور هذه الشركات “الإسلامية” مع بدء نغمة تحريم التعامل مع البنوك واعتبار المتعاملين عاصين ومذنبين، لا سيما في ظل وجود شركات توظيف تتبع الشريعة وتلتزم بالفقه وأصول المعاملات الإسلامية.
سهولة الوقوع في شباك كل من يتحدث بـ”قال الله وقال الرسول (ص)” من دون مراجعة أو تدقيق، مع تنامي ظاهرة فقدان الثقة بين المواطن والدولة أو الحكومة أو النظام، سواء لأسباب سياسية أو اقتصادية، أو دينية زرعها أمراء جماعات الإسلام السياسي على مدار عقود، أدت إلى ميل البعض إلى تفضيل توظيف الأموال بعيداً من أعين الدولة كلما أمكن ذلك، وحبذا لو كان “ذلك” مقدماً على طبق من فضة عبر رجل تقي ورع مقيم للصلاة على وقتها، ممسكاً بسبحة، مزيناً جبهته بـ”زبيبة” وذقنه بـ”لحية”، وحبذا لو مشعثة، ولا تخلو جملة من سند من القرآن، أو عبارة إلا ويذيلها بحديث أو قصة تبدأ بـ”جاء إعرابي”.
يقول المهدي، في هذا الشأن، إن الشخص النصاب غالباً يزين نفسه بأشخاص بارزين في المجتمع ليعطوه مصداقية كاذبة، أو يشيع بأنه جاء بوصية من أحد أولياء الله الصالحين ليساعد الناس، أو يظهر بقناع ديني ويدعو لافتتاح مشروعاته ومباركتها بعض رجال الدين، أو يظهر في فيديوهات توحي بثرائه وأمانته، أو يقوم ببعض الأعمال الخيرية مثل بناء مساجد أو بيوت للفقراء، ويبالغ في الحديث عن الأمانة والصدق والإخلاص.
وعلى ذكر مباركة رجال الدين، فإنه يشار إلى أن عديداً من هذه الشركات روّج لها أئمة ودعاة حازوا احترام الملايين ومحبتهم، حتى إن البعض وضعهم في منزلة الصديقين والقديسين ويبنون لهم الأضرحة.
يضيف المهدي، في دراسته عن تكرار عمليات النصب في مصر، إن النظريات الاقتصادية الحديثة أثبتت أن الناس ليسوا دائماً منطقيين في التعامل مع المال، بل يحيط تعاملهم الكثير من المشاعر والانفعالات والتحيزات، وهذا ما يراهن عليه النصّابون، ويصر عليه المنصوب عليهم، أمس واليوم وغداً.
تكرار عمليات النصب والاحتيال، وتزايد الوقوع في شباكها في المجتمع المصري يمكن تفسيره في ضوء توليفة جديدة غير تلك التي تقصرها على نظرية الطمع والطماعين. المظهر الديني مع غياب ألف باء التفكير النقدي المصحوب بالرغبة في المزيد من الثراء أو الخروج من دائرة الفقر توفر عوامل استدامة النصب والاحتيال.
نقلاً عن : اندبندنت عربية