لم يكن أسبوعاً سهلاً بالنسبة إلى المحافظين [في بريطانيا] الذين ظنوا أنه يمكنهم دعم دونالد ترمب وأوكرانيا في آن معاً. الثلاثاء، زعم ترمب زوراً أن أوكرانيا، لم تكن ضحية الغزو الروسي عام 2022، وإنما هي من “بدأت” الحرب، وأن نسب تأييد رئيس البلاد فولوديمير زيلينسكي في استطلاعات الرأي بلغت أربعة في المئة فقط (فيما هي تتخطى الـ50 في المئة). رد زيلينسكي على هذا الكلام بقوله إن ترمب يعيش في “فضاء المعلومات الكاذبة” الذي شكلته روسيا. فرد ترمب بدوره على هذا الكلام واصفاً زيلينسكي بـ”الديكتاتور” لأنه لم يعقد انتخابات وسط الحرب.
تحلى بعض معجبي دونالد ترمب بما يكفي من النزاهة للإشارة إلى أن بوتين هو الديكتاتور الفعلي الذي بدأ الحرب في الحقيقة. لكن كثراً ترنحوا في مواقفهم. احتج بوريس جونسون قائلاً إن كلام ترمب “ليس هدفه الدقة التاريخية” فيما اعتبر نايجل فاراج أنه لا يجب الأخذ به “بشكل حرفي للغاية”. لكم أن تتخيلوا رأي جورج أورويل، المدافع الأول عن الدقة البلاغية والخصم اللدود للتعبيرات الملتوية، في مثل هذا التلاعب بالألفاظ.
صحيح أنه بات من المبتذل الإشارة إلى رواية أورويل “1984” التي كتبها في 1949 في معرض مناقشة تهجم ترمب على الحقيقة لكنها إشارة لا بد منها في وقت أعاد فيه 77 مليون أميركي انتخاب رجل قام بـ30573 “زعماً كاذباً أو مضللاً” خلال ولايته الأولى، وفقاً لفريق تقصي الحقائق في صحيفة “واشنطن بوست”.
في ذلك الوقت، كانت عدائية ترمب المذهلة للحقيقة تبدو أحياناً مثيرة للسخرية. فقد صاغت مستشارته كيليان كونواي عبارة “حقائق بديلة”، وهي تعبير هزلي استخدم كبديل عن كلمة “أكاذيب”، رداً على أمر تافه مثل حجم الحشد في حفل تنصيبه.
لكن لم يكن هناك ما يدعو إلى الضحك في إصراره المعادي للديمقراطية على أنه الفائز في انتخابات 2020، وهو الادعاء الذي أدى إلى أعمال العنف في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. واليوم، لا يزال نحو ثلثي الجمهوريين يؤمنون بهذه الخرافة التي تخدم مصلحته. وكما كتب أورويل: “قال لك ألا تصدق ما تراه عيناك وما تسمعه أذناك. كان ذلك توجيهه الأخير والأهم”.
ومن اللافت ادعاء كثير من مؤيدي ترمب أن أورويل يمثلهم، على رغم كونه فخوراً بانتمائه إلى الاشتراكية الديمقراطية ومناهضاً للفاشية. فور صدورها، أساء المحافظون الأميركيون قراءة رواية “1984” واعتبروها هجوماً على حكومة [رئيس الوزراء البريطاني] كليمنت أتلي العمالية إلى جانب انتقادها للستالينية، ومع مرور الزمن، استمر خصوم أورويل السياسيون في استغلال مكانته الفكرية لمصلحتهم، على رغم أنه كان يعارض أفكارهم في الواقع.
في الآونة الأخيرة، أثار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الدهشة عندما دان القيود التي فرضتها أوروبا على خطابات الكراهية باعتبارها خطوة “أورويلية”. قد أرد عليه بقولي إن محو عبارات مثل “المناخ” و”التنوع” من المواقع الإلكترونية الفيدرالية هو ما يعد “أورويلياً”، تماماً كما كان بطل رواية أورويل، وينستون سميث، يعيد كتابة الصحف القديمة في وزارة الحقيقة، أو كما سعى مبتكرو اللغة الجديدة لجعل البوح ببعض الأفكار متعذراً. إن منع وكالة أنباء “أسوشيتد برس” من حضور الإحاطات الإعلامية في البيت الأبيض لأنها رفضت تغيير اسم خليج المكسيك ليصبح خليج أميركا تصرف أورويلي. ومحو أي ذكر لأشخاص متحولين جنسياً من الصفحة المخصصة لأعمال الشغب التي اندلعت في ستونوول في عام 1969 على الموقع الإلكتروني التابع لهيئة المتنزهات العامة تصرف أورويلي: أصبح هؤلاء “لا أفراد”. إن رفض نتائج الانتخابات تصرف أورويلي. والأورويلي أيضاً هو العفو عن “رهائن” السادس من يناير. كما أن لوم أوكرانيا على تعرضها للاجتياح تصرف أورويلي. وفي هذا السياق، تشكل إساءة استخدام فانس لعبارة أورويلي، قمة الأورويلية ذاتها.
استحضر أورويل صورة الديكتاتورية المطلقة ليظهر كيف يستخدم القادة المعادون للديمقراطية الخداع الصارخ لإثبات سلطتهم وتعزيزها. وقد زرعت بذور هذه الفكرة عندما كان أورويل نفسه هدفاً للأكاذيب الستالينية أثناء قتاله في الحرب الأهلية الإسبانية. فقد كانت الدعاية على كلا الجانبين بعيدة من الواقع لدرجة أنه كتب لاحقاً معبراً عن مخاوفه: “إن مفهوم الحقيقة الموضوعية ذاته آخذ في التلاشي من العالم… وهذا الاحتمال يرعبني أكثر من القنابل”.
وكما شرح أورويل، فإن الكذبة السياسية التقليدية تعترف ضمنياً بوجود الحقيقة، بينما تسعى الكذبة الاستبدادية إلى تدمير هذا المفهوم بحد ذاته. لذلك، فإن تقصي الحقائق في شأن ترمب أو فضح نفاقه يبدو أشبه بمحاربة طواحين الهواء. فخيالاته الجامحة ليست مجرد أكاذيب، بل هي اختبار ولاء لأنصاره – يجب عليهم ألا يرددوها فحسب، بل أن يؤمنوا بها حقاً، تماماً كما في معادلة 2+2=5. وهي أيضاً وسيلة لإرهاق خصومه وإغراقهم في الفوضى. فكلما كانت الكذبة أكبر وأكثر وقاحة، زادت فاعليتها كسلاح نفسي في الحرب النفسية.
لقد أصبحت بعض العبارات من رواية “1984” جزءاً من المفردات العامة على مدى 75 عاماً – ومنها “الأخ الكبير” [شخصية رمزية في رواية “1984” التي تمثل الحكومة الاستبدادية التي تراقب المواطنين وتتحكم في حياتهم بشكل كامل] و”شرطة الفكر” و”دقيقتا الكراهية” – لكن أكثر اختراعات أورويل حذاقة وبراعة كانت التفكير المزدوج “قدرة المرء على التمسك ذهنياً بمعتقدين متناقضين في الوقت نفسه والقبول بهما معاً… وقول أكاذيب متعمدة مع تصديقها حقاً وتناسي أي حقيقة أصبحت غير مناسبة”. جونسون وفاراج وفانس جميعهم يظهرون أنواعاً مختلفة من التفكير المزدوج.
يتوهم وينستون بظنه أنه قادر على إطاحة نظام إنغسو “الأخ الكبير” [إنغسو هو اختصار لـ(الاشتراكية الإنجليزية) في رواية “1984”. يمثل إنغسو الحزب الحاكم في الدولة التوتاليتارية التي تهيمن على المجتمع في الرواية]. وصراعه الحقيقي هو صراعه مع نفسه: أن يحافظ على سلامته النفسية في مجتمع مرعب لدرجة أن التمسك بالحقيقة يجعله يشعر بالجنون. لم يكن المقصود من الرواية أن تكون نبوءة خيالية علمية، بل كانت مبالغة ساخرة للاتحاد السوفياتي الستاليني، حيث كان يجبر الأبرياء على الاعتراف بجرائم وهمية ويحول الأبطال المزعجين إلى أشرار يستحيل إصلاحهم.
حتى بعد تراجع حدة العنف الظاهري عقب وفاة ستالين، استمرت الدعاية. أظهرت الأبحاث أن المواطن السوفياتي العادي وجد الأمر مرهقاً للغاية لتمييز الحقيقة عن الأكاذيب باستمرار، حتى قرر في النهاية أن يحل تناقضه المعرفي بالتسليم بحكم الدولة. فلم يكن المواطنون يصدقون بالضرورة ما تقوله الرواية الرسمية لكن لم يعد الموضوع مهماً بالنسبة إليهم. وقد كتبت حنا أرندت، التي عاصرت أورويل، أن المواطن المثالي في النظام الاستبدادي “كان يصدق كل شيء ولا شيء في الوقت ذاته. ويعتقد أن كل الاحتمالات ممكنة وأن لا شيء حقيقي في آن معاً”.
استخدم العميل المخضرم في جهاز الاستخبارات السوفياتي “كي جي بي”، فلاديمير بوتين، بدوره سيطرته على الإعلام والقمع الوحشي للأصوات المعارضة ليدفع مواطنيه إلى القبول بنسخة الواقع كما يقدمها هو. فمن العادي جداً أن يصدق المرء بأن أوكرانيا هي التي بدأت الحرب ومن الخطر التشكيك بذلك في العلن. تشي رغبة ترمب في ترديد مواقف الكرملين والاصطفاف مع بوتين ضد حلفاء أميركا التاريخيين إلى أنه يحسد قوة الزعيم الروسي في الكذب من دون خجل ومن دون أن يواجه أي رد فعل أو عواقب.
بالطبع، لا تعد أميركا ترمب اليوم ديكتاتورية تقارن بنظام بوتين، ناهيك بستالين، لكن الجو الإعلامي الذي خلقته وسائل التواصل الاجتماعي ومذيعو اليمين يولد تأثيراً مماثلاً من جهة تغييره للواقع. إذ إن المواقع الإلكترونية الفيدرالية عرضة لإعادة الصياغة في لحظة، فيما تنهمك “فوكس نيوز” بنشر الأكاذيب بينما تزدهر نظريات المؤامرة على منصة “إكس”، وهو آلة عالمية للمعلومات المضللة مملوكة للرئيس الظل إيلون ماسك. والهدف هنا هو هذا الهجوم النفسي الفج والوقح الذي لا يمكن للمرء أن يميز فيه الاعتقادات الحقيقية من التخريب الهادف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويظل الأمل في أنه في حين يمكن إنكار الواقع (أي نشر الأكاذيب)، إلا أنه لا يمكن محوه تماماً، إذ لا تزال الحقائق موجودة ومتاحة. في رواية “1984”، لا يملك نظام “إنغسو” والأخ الكبير أي رؤية أو هدف سياسي أو اجتماعي سوى الحفاظ على السلطة نفسها. ليست “أيرستريب وان” [الاسم الذي يطلق على بريطانيا في الرواية، حيث يقسم العالم إلى ثلاث دول عظمى، وأيرستريب وان هي جزء من دولة أوشينيا” (Oceania)التي يحكمها نظام إنغسو. الاسم “أيرستريب وان” يشير إلى فكرة أن بريطانيا أصبحت مجرد قاعدة عسكرية أو نقطة انطلاق، مما يعكس كيف تدهورت البلاد وأصبحت تحت هيمنة نظام استبدادي] دولة مزدهرة ومتقدمة تكنولوجياً، بل مكان قاتم وراكد ومتهالك، مثل روسيا تحت حكم بوتين. ولو غابت عنها البروباغندا وغسل الدماغ، لانهارت.
في الوقت الحالي، يعيث كل من ترمب وماسك الفرحان بما يقترفانه فساداً في اقتصاد أميركا وأمنها القومي ونفوذها العالمي وحريتها العلمية وقدرتها على الحكم بفعالية. وإن أصبح الاختلال ملموساً في الولايات المتحدة قد لا تكفي قوة “فوكس نيوز” ولا “إكس” للتغطية على تجارب الناخبين الشخصية. ما تظهره استطلاعات الرأي هو أن معظم ما قام به ترمب إلى الآن، ومن ضمنه علاقته الودية ببوتين، خطوات لا تحظى بشعبية على الإطلاق. لا تزال الوقائع منتشرة وبمتناول اليد ولن تتعرض للاعتقال إن رددتها، مع أنك قد تقع ضحية التنمر أو التهديد أو التسريح من العمل. وما زال بإمكان الأميركيين أن يختاروا عدم تصديق سخافات ترمب.
لكن حالياً، يهيمن التفكير المزدوج على أميركا. أصر أورويل أن “1984” ليست نبوءة، بل تحذيراً. وكتب في بيان صحافي “إن العبرة التي يجب استخلاصها من هذا الوضع الكابوسي الخطر بسيطة. لا تسمحوا بحصوله. فهذا متوقف عليكم”. لكن بصرف النظر عن عدد المرات التي طالع الناس فيها هذا الكتاب، ومهما اقتبسوا منه، من الواضح أن الرسالة لم تصل إليهم.
نقلاً عن : اندبندنت عربية