بينما كانت تركيا الرسمية تبتعد قدر ما تستطيع عن كل ما هو عربي، وتتجه بحماسة نحو التغريب باعتباره عنواناً لتوجه علماني صارم، في ظل انكفائها القومي الذي أعقب سقوط الخلافة العثمانية، كانت أغنيات أم كلثوم تتحدى منع بث غناء عربي عبر الإذاعة التركية، وتجد لها جمهوراً كبيراً من الأتراك الذين عرفوا صوتها من خلال عدد من الأفلام ومن خلال الأسطوانات، وكذلك عبر تبني مغنين وموسيقيين وشعراء أتراك عمليات اقتباس أغانيها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتقديمها في حفلات عامة وخاصة. ولعل كتاب “أم كلثوم والأتراك” للباحث التركي مراد أوزيلدرم (1970)، أثر أم كلثوم، يأتي في مناسبة الاحتفال بذكرى مرور 50 عاماً على رحيلها، في الوجدان التركي.
والكتاب صدرت ترجمته إلى العربية عن دار “مرفأ للثقافة والنشر” في بيروت بتوقيع المصري أحمد زكريا والتركية ملاك دينيز أوزدمير. وإلى جانب تخصصه في مجال التنقيب عن الآثار فإن أوزيلدرم معروف بولعه بتقصي السمات المشتركة بين الموسيقى العربية والموسيقى التركية، وأسس عام 2000 موقعاً إلكترونياً يقدم معلومات عن أم كلثوم باللغة التركية، وأصدر كتاب “وحدة الموسيقى العربية والتركية في القرن الـ20″، وترجمه إلى العربية أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير أيضاً، لحساب “مشروع كلمة للترجمة” في الإمارات عام 2023.
ويرى أوزيلدرم أن أم كلثوم “هدية مصر للشرق الأوسط في القرن الماضي”، مؤكداً أن أكبر المعجبين بها بعد العرب، هم الأتراك. لكنه خلط بينها وبين المطربة سعاد محمد في أحد مواضع الكتاب، عندما ذكر أن مغنين أتراكاً اقتبسوا أغنية “طلع البدر علينا”، “التي قدمتها أم كلثوم بصوتها” في فيلم “الرسالة” للمخرج مصطفى العقاد. والحقيقة أن هذه الأغنية المستمد مطلعها من التراث الإسلامي، قدمتها سعاد محمد بصوتها في فيلم “الشيماء” للمخرج حسام الدين مصطفى، بلحن رياض السنباطي وكلمات عبدالفتاح مصطفى. والفيلم الوحيد الذي استخدم صوت أم كلثوم من دون صورتها هو “رابعة العدوية” الذي قامت ببطولته نبيلة عبيد. أما فيلم “الرسالة”، فوضع له الموسيقى التصويرية الفرنسي موريس جار، ولم يتضمن أي أغان، وتم إنتاجه عام 1976 أي بعد رحيل أم كلثوم.
هنا القاهرة
بدأ حضور أم كلثوم من خلال الصحافة التركية عام 1930 وسط النقاشات الدائرة حول الموسيقى الشرقية والغربية، والإكراهات التي مارستها السلطة بفرض الموسيقى الغربية على الشعب، التي قابلها إقبال على إذاعات القاهرة، وتبرم من الحفلات الموسيقية التي تذاع من المراكز الأوروبية. وكتب الصحافي التركي بيامي صفا في صحيفة “جمهوريت” في أبريل (نيسان) 1933، “يشعر الناس بأن أصوات وألحان الموسيقى العربية التي يسمعونها في الإذاعة المصرية هي أصواتهم، حيث كانت الموسيقى جزءاً كبيراً من البث الإذاعي، ومن خلال هذا كان الناس يخبرون رجال الدولة بأن شوبان وباخ وموزارت، مهما كانوا جيدين، فهم ليسوا من اختيارهم”.
وكان صفا يرى أن الموسيقى العربية والتركية تخاطب الروح لا العقل، “ولهذا فإن العربي أو التركي العادي، إذا لم يكن متحيزاً، سيجد بالتأكيد شيئاً من روحه في ألحان الآخر، حتى لو كان لا يفهم اللغة”. هذا الوضع الذي سار عليه الأتراك وخصوصاً الغالبية الصامتة، مكنهم من الاستماع إلى الذوق الشرقي الذي حظرته الحكومة، وهو الذوق الذي “اعتادوا عليه، منذ قرون” كما يقول مراد أوزيلدرم. وكانت وسيلتهم إليه هي “ضبط أجهزة الراديو على أثير الإذاعات العربية، وخصوصاً المصرية، ومن هنا بدأ صوت أم كلثوم يكسر حظر الموسيقى الشرقية، ويصلهم في بيوتهم وهي تشدو من القاهرة.
الصوت الكريستالي
نشرت مجلة “يدي قون” (الأيام السبعة) بتاريخ الـ23 من ديسمبر (كانون الأول) عام 1936 خبراً بعنوان “أم كلثوم بلبل الإذاعة المصرية”، مع صورة للمغنية المصرية الأشهر. جاء في الخبر أن أم كلثوم صاحبة “الصوت الكريستالي”، ستقتحم مجال السينما. وعكس اهتمام الصحافة التركية بأخبار أم كلثوم مدى التأثير الذي تركته على المستمع التركي، فراح يتتبع أخبارها. ولم يقتصر الاهتمام بأم كلثوم على الطبقة الثرية في تركيا، بل سرى في مختلف طبقات المجتمع، حتى إنها وصفت بـ”ملكة الغناء الشرقي”، و”بلبل الإذاعة المصرية”. وقدمت الصحف التركية لأعمال أم كلثوم السينمائية بعبارات تكشف مدى الاهتمام الكبير الذي استقبلت به في تركيا. فوصفت صحيفة “يني عصر” فيلم “وداد” وهي تقدمه للجمهور، بأنه “العمل الساحر الذي انتظرتموه بفارغ الصبر منذ أشهر، هو عمل خالد لأم كلثوم التي أذهلت مستمعيها بصوتها، مع أغان عربية وكلمات تركية”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعندما عرض فيلم “نشيد الأمل” في سينما “تقسيم” في إسطنبول عام 1939 نشرت صحيفة “جمهوريت” عن استقبال الجمهور له ما يلي، “الأبواب تنكسر… الناس يهاجمون… حشد مهيب يقتحم سينما تقسيم، لأن فيلم ’نشيد الأمل’ لأم كلثوم، ملكة الغناء الشرقي، يحطم الرقم القياسي كما لم يحققه أي فيلم من قبل”. وبعد عرض الفيلم ونجاحه جماهيرياً علقت الصحيفة نفسها بالتالي، “نجاح لم يتمكن أي فيلم آخر من تحقيقه… انتصار لم يتمكن أي فيلم تركي من تحقيقه… ملكة الغناء الشرقي التي تثير وتبهر الجمهور، أم كلثوم بلبل الشرق، هناك عشرات الآلاف يركضون من كل ركن من أركان إسطنبول لمشاهدة فيلمها”.
اقتباس الألحان
وعندما قدمت فيلم “دنانير” عام 1940 فإنه عرض في تركيا باسم “محظية هارون الرشيد”، ووصفته صحيفة “أكشام” بأنه “أغنى وأكمل وأروع فيلم صنعه عالم السينما الشرقية على الإطلاق”. وحضرت أم كلثوم في الوجدان التركي كذلك، عبر غناء أغانيها باللغة التركية، بطريقة “الأرابيسك” وهو نوع من الموسيقى ظهر في تركيا بفعل عوامل عديدة كالهجرة من القرى إلى المدن، وكذلك بفضل الأفلام المصرية. ومن أشهر الأغاني المصرية لأم كلثوم التي تم تكييفها مع الأغاني التركية أغنية “على بلد المحبوب”، وغنتها صفية آيلا، وبالمثل تأثرت بيرهان ألتنداغ سوزري بأغاني أم كلثوم وغنت لها “غني لي شوي شوي”، و”افرح يا قلبي”، وكذلك غنت مزيان سنار من فيلم “دنانير” أغنيتي “ليلة العيد” و”بكرة السفر”، وقد غناهما فنانون أتراك مثل زكي موران وعلاء الدين يافشا.
تعددت الأعمال التي قام الأتراك بغنائها عن أم كلثوم، وهو ما يشير إلى حال من استلهام روح أم كلثوم، نتيجة قوة التأثير الذي مارسته أغانيها على الذائقة التركية، ورغم منع القانون الغناء باللغة العربية، فإن الفنانين الأتراك تحايلوا على هذا، وغنوا باللغة العربية إلى جانب غناء ذات الأغاني باللغة التركية، كما يؤكد المؤلف. وتضمن الغناء الاقتباس من ألحان أم كلثوم على نحو ما جاءت عليه أغنية “أنا ضحية حبيبي” التي غنتها إسينجول، فهي مقتبسة من أغنية “بعيد عنك” من كلمات مأمون الشناوي وألحان بليغ حمدي. وتكرر الأمر مع أغنية “فات الميعاد” التي تم تضمينها في ألبوم جولجان أوبل مع كلمة تركية باسم “Eskici”، أما أغنية “الأطلال” من ألحان رياض السنباطي وشعر إبراهيم ناجي، فقد غناها أورهان أكدنيز في ألبوم “ما همك؟”، وتكرر الأمر مع أغنية “فكروني” من ألحان محمد عبدالوهاب، وغيرها من أغاني سيدة الغناء العربي.
نقلاً عن : اندبندنت عربية