ظل الحديث عن شكل ونظام الحكم في السودان منذ استقلاله عام 1956 محل جدل كبير، لكنه يتجدد كلما أعلن عن تحالف سياسي جديد داعياً في ميثاقه إلى تطبيق نظام حكم بعينه، خصوصاً “علمانية الدولة” التي تم تضمينها في عدد من المواثيق السياسية الموقعة بين عدد من القوى السياسية والمجتمعية والحركات المسلحة خلال حقب مختلفة، وآخرها الميثاق السياسي لتحالف السودان (تأسيس) الذي أعلن في العاصمة الكينية نيروبي.
لكن في ظل تركيبة السودان العقائدية والاجتماعية والسياسية هل يمكن القبول بعلمانية الدولة، وكيف بإمكان السودانيين حسم جدل هذه القضية؟
تهديد الهوية
يقول القيادي في حزب الأمة القومي عروة الصادق، “في تقديري هناك إشكالية أساسية لطرح العلمانية في السياق السوداني، والسودان ليس استثناء في هذا الجدل، فدول متعددة الثقافات والأديان مثل إندونيسيا ولبنان وتركيا (قبل التعديلات الأخيرة) والهند طبقت نموذجاً يحافظ على حياد الدولة تجاه الأديان، مما يتيح لكل الأفراد والجماعات ممارسة معتقداتهم بحرية، لكن في بلادنا ظل هذا المفهوم يواجه رفضاً من بعض التيارات الدينية التي ترى في العلمانية تهديداً لهوية الدولة الإسلامية، وهو ما أدى إلى استقطاب حاد بين التيارات السياسية المختلفة”.
وتابع، “للخروج من هذا المأزق اتجهت قوى مدنية عدة ومنها حزب الأمة القومي، ممثلاً في رئيسه الراحل الصادق المهدي لإيجاد حل وسط يتجاوز هذا الاشتباك بين الرؤى العلمانية والدينية، عبر طرح مفهوم الدولة المدنية، التي تقوم على الاعتراف بالتعدد الثقافي والديني والإثني، وجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات الدستورية من دون تمييز”.
وزاد عروة “استند طرح حزب الأمة القومي على فكرة الدولة المدنية كبديل للصدام بين التيارات العلمانية والدينية، حيث يتم تحييد الدولة عن التوظيف الديني من دون أن تكون معادية له. ويرتكز هذا المفهوم على جملة من المبادئ، تتمثل في الاعتراف بالتعدد الثقافي والديني والإثني كواقع يجب أن يعكسه النظام السياسي للدولة، وإرساء المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، بحيث لا يكون الدين أو العرق أو الجهة أسباباً للتمييز بين المواطنين، وتحييد الدولة عن الخطاب الديني مما يعني أنها لا تتبنى ديناً معيناً ولكنها تحترم وتحمي جميع الأديان، وضمان الحريات الدينية للجميع بحيث يتمكن كل فرد أو جماعة من ممارسة معتقداته بحرية من دون تدخل الدولة”.
وبين أنه في ضوء هذه المقاربة تسعى الدولة المدنية إلى عدم جعل الدين أداة للهيمنة السياسية، فضلاً عن عدم تهميش دوره في حياة الأفراد والمجتمع، وهذا يوجب علينا اتباع خطوات جادة لمعالجة الجدل حول العلمانية وتقرير المصير، ويمكن تبني نهج توافقي يستند إلى الدولة المدنية، وذلك عبر إعادة صياغة المصطلحات المثيرة للجدل بحيث يتم الحديث عن “الدولة المدنية الديمقراطية” بدلاً من “العلمانية”، مع تأكيد حياد الدولة تجاه الأديان من دون المساس بالحريات الدينية، وتقديم ضمانات دستورية لحماية التنوع الديني، مثل الاعتراف بالأحوال الشخصية للأديان المختلفة، وضمان عدم التمييز على أساس ديني في القوانين والتشريعات.
وأشار إلى أهمية فتح حوار وطني شامل يضم القوى السياسية والدينية والمجتمعية، بهدف الوصول إلى تفاهمات دستورية تضمن عدم استغلال الدين للسياسة، فضلاً عن عدم تجاهل قيم المجتمع الدينية، وتعزيز الحكم الفيدرالي الحقيقي، مما يمنح الأقاليم قدراً أكبر من الاستقلالية في إدارة شؤونها الثقافية والدينية، ويقلل من التوترات المرتبطة بالمركزية، وتأكيد وحدة السودان الطوعية من خلال معالجة التهميش التنموي والسياسي، بحيث يكون الالتزام بالوحدة قائماً على تحقيق العدالة والمساواة بين كل الأقاليم.
وختم القيادي في حزب الأمة القومي السوداني بالقول، “في نظري إن تحقيق توافق وطني حول طبيعة الدولة السودانية يتطلب تجاوز الاستقطاب التقليدي بين ‘العلمانية‘ و‘الدولة الدينية‘، عبر تبني نهج الدولة المدنية الديمقراطية الذي يحترم التنوع، ويضمن المواطنة المتساوية، ويحيد الدولة عن الصراعات الدينية من دون المساس بالحريات العقائدية. وبإمكان هذه المقاربة أن تشكل أساساً للحوار الوطني الذي من شأنه أن يحول تحالف ‘تأسيس‘ إلى فرصة بدلاً من تصويره كأزمة، والخروج منه بمنحة سياسية تجمع الرافضين للحرب، بما يضمن الاستقرار السياسي والتعايش السلمي والعدالة الاجتماعية، في دولة سودانية تعبر عن جميع مكوناتها من دون تمييز”.
استفتاء شعبي
من جانبه يرى الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي في السودان كمال عمر عبدالسلام أن “إدخال قضية العلمانية في الوثائق التأسيسية ليس في محله، وبصورة عامة لدينا تاريخ طويل مع هذه القضية، فقد سبق أن طرحت حركات الكفاح المسلح خلال فترة تحالف قوى الإجماع الوطني علمانية الدولة في وثيقتي ‘البديل الديمقراطي‘ و‘الفجر الجديد‘، وكان رأينا أن يترك هذا الموضوع في هذا الوقت على أن يناقش مستقبلاً في الدستور الدائم من خلال مؤتمر دستوري جامع لكل القوى السياسية في البلاد لتقرر في شأنه، لذلك لا يحق لأي فصيل أو مجموعة غير منتخبة أو ليس لديها تفويض من قبل الشعب أن تبت في هذا الأمر، لكونه يتعلق بإرادة شعب فهو الذي يختار نظام حكمه إن كان علمانياً أو دينياً أو لا ديني من خلال استفتاء شعبي حر ونزيه”.
وأضاف عبدالسلام، “في اعتقادي أن تحالف ‘تأسيس‘ الذي ينوي تشكيل حكومة موازية لحكومة بورتسودان، مارس نوعاً من الاستعلاء بتضمينه مبادئ ‘علمانية الدولة‘ في ميثاقه السياسي، متناسياً أن الذي يؤسس لنظام الحكم هو الشعب صاحب الإرادة لا القوى السياسية مهما بلغ عددها وحجم قواعدها، فمن دون تفويض شعبي لا أحد لديه الحق في تحديد هوية الدولة ودينها حتى من ناحية فرض الدين أو إبعاده عن الحياة فهذا أمر متعلق بالشعب”.
ولفت الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي إلى أن “قضية العلمانية أصبحت مجرد ورقة ابتزاز سياسي ليس إلا، فالأنسب والمتفق عليه من قبل معظم القوى السياسية السودانية أن تطرح هذه القضية (العلمانية وفصل الدين عن الدولة) للشعب وألا يتم تضمينها في الوثائق الانتقالية، كما أنه ليس هناك شخص أو جماعة لهم الحق في ذلك”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
دولة المواطنة
في السياق ذاته، أوضح عضو قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل في السودان وجدي صالح عبده، قائلاً “صحيح ظل موضوع شكل الدولة ونظام الحكم وطبيعته في السودان من الموضوعات الأساسية التي تثير جدلاً منذ الاستقلال ولم تحسم حتى الآن”، ويرجع “السبب لحال عدم الاستقرار السياسي التي تعيشها بلادنا، فضلاً عن سيطرة العسكريين على السلطة لما يقارب الـ60 عاماً منذ استقلال البلاد وعدم الوصول إلى دستور دائم يتوافق حوله السودانيون”.
وزاد “لذلك كلما ظهر تحالف سياسي جديد في المشهد برزت هذه الموضوعات باعتبارها من القضايا الرئيسة التي تحتاج إلى إجابة وهي شكل الدولة بأن تكون مركزية أم فيدرالية أم تنتهج صيغة الحكم اللامركزي، إضافة إلى نظام الحكم بأن يكون برلمانياً أم رئاسياً أم يجمع النظامين، وكذلك علاقة الدين بالدولة، دولة المواطنة التي يتطلع إليها الشعب السوداني هي دولة لا تميز بين مواطنيها على أي أساس، فالمواطنة فيها أساس الحقوق والواجبات”.
وواصل عبده “المسألة لا علاقة لها بالمصطلحات، في ظل تركيبة السودان العقائدية والاجتماعية والسياسية يتطلع السودانيون جميعهم لدولة المواطنة (العلمانية) ويمكن القبول بها، وقد جربت في بلادنا من قبل وحتى دستور 2005 كان دستوراً يتبنى علمانية الدولة أو وقوف الدولة على مسافة واحدة من المعتقدات السائدة في المجتمع”.
واستطرد “لكن في نظرنا أن قضية ‘العلمانية‘ باتت من قضايا التكسب السياسي والتي تثيرها بعض القوى السياسية والاجتماعية لاستقطاب شريحة معينة، علماً أنها في فترات تاريخية تبنت العلمانية، كما أن الظرف التاريخي العصيب الذي تمر به بلادنا يتطلب التركيز على ما يجمع قوانا الوطنية بدلاً من تشتيتها وتفريقها، ولا بد من توجيه كل جهودنا لوقف هذه الحرب بمعالجة أسبابها”.
ومضى عضو قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل في القول، “نحن حزب علماني وندعو لعلمانية الدولة، لكننا لا نفرضها على شعبنا من دون إرادته، إذ نؤمن بأن التوافق حول أولويات وطنية مشتركة هو مفتاح النجاح في هذه المرحلة الدقيقة التي تشهدها بلادنا، لذلك نمد أيدينا للعمل مع كافة القوى الوطنية على أسس واضحة تحترم تطلعات الشعب السوداني وشعارات وأهداف انتفاضة ديسمبر (كانون الأول)، ونعمل على وقف الحرب والمحافظة على وحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي ومحاربة خطاب الكراهية الذي تؤججه القوى المستفيدة من هذه الحرب”.
نقلاً عن : اندبندنت عربية