تجاوزت أبوظبي تعهدها باستثمار 10 مليارات جنيه إسترليني في المملكة المتحدة، إذ ضخت أكثر من ضعف هذا المبلغ في أصول بريطانية رغم تحديات شهدتها العلاقات الثنائية، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر.
كان التعهد الأصلي جزءاً من صففقة أُبرمت عام 2021 بقيادة شركة “مبادلة للاستثمار” التابعة للإمارة ومكتب الاستثمار البريطاني. وبحسب الأشخاص الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، نصّت الاتفاقية على زيادة الإنفاق خلال فترة خمس سنوات حتى عام 2026، إلاّ أن أبوظبي تجاوزت هذا الهدف بالفعل.
أبوظبي تعود تدريجياً للاستثمار في بريطانيا عبر التعليم والطاقة الجديدة
وقال الأشخاص إن ضخ أكثر من 20 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الأربع الماضية جاء نتيجة جهود مكثفة من المسؤولين البريطانيين لاستقطاب الاستثمارات من الدولة الخليجية الغنية بالنفط. وزار رئيس الوزراء كير ستارمر المنطقة أواخر العام الماضي، فيما تحدثت وزيرة الخزانة رايتشل ريفز مؤخراً بمؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” في السعودية، مؤكدةً أن الاتفاق التجاري بين المملكة المتحدة ودول الخليج يقترب من الاكتمال.
لكن في مساعيها لجذب استثمارات من أبوظبي، تواجه بريطانيا منافسة من دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا. فقد خصصت أبوظبي أكثر من تريليون دولار لاستثمارات في أميركا، وعشرات المليارات الأخرى في الدول الأوروبية خلال العام الحالي، مع تركيز خاص على التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي.
رغم ذلك، ضخّت مجموعة من الكيانات التابعة لأبوظبي، عاصمة الإمارات التي لديها صناديق سيادية تدير أصولاً تتجاوز قيمتها 1.7 تريليون دولار، استثماراتٍ في بريطانيا وسط تحديات شهدتها العلاقات بين الجانبين، بحسب أشخاص مطلعين.
تشمل أبرز التحديات دور الإمارات المزعوم في الحرب السودانية، وهي مزاعم تنفيها أبوظبي، إضافةً إلى عرقلة عملية استحواذ كيان مرتبط بنائب رئيس الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان على صحيفة “التلغراف”. وأقرّ مجلس اللوردات تشريعاً جديداً يسمح للدول الأجنبية بامتلاك ما يصل إلى 15% من الصحف البريطانية، ما يتيح للجهة الإماراتية امتلاك حصة أقلية.
“ناشيونال وورلد” تتطلع لشراء التليغراف مع تعثر الصفقة المدعومة من الإمارات
امتنعت وزارة الخارجية الإماراتية عن التعليق، فيما أفاد متحدث باسم وزارة الأعمال والتجارة البريطانية أن المملكة المتحدة “تقدّر جهود الإمارات في إنجاح الشراكة بين البلدين”.
ويرى أوليفر دودن، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة ريشي سوناك، أنه “في أي علاقة بهذا العمق والامتداد والتاريخ الطويل بين المملكة المتحدة والإمارات، ستظهر تحديات من حين لآخر. التحديات الأخيرة موثقة جيداً، لكن انطباعي أن المشهد يتحسن عموماً”.
الصفقات الإماراتية في المملكة المتحدة
أبرز الصفقات الإماراتية في المملكة المتحدة شملت استحواذ شركة الاتصالات “&e” على حصة كبيرة في شركة “فودافون” (Vodafone) قبل سنوات، في حين اشترى الصندوق السيادي “مبادلة”، البالغة أصوله 330 مليار دولار، حصة أقلية بقيمة 600 مليون دولار في شركة “نورد أنغليا إديوكيشن” (Nord Anglia Education) البريطانية المتخصصة بتشغيل المدارس.
مع ذلك، يَعتبر أحد الأشخاص أن استثمارات أبوظبي في المملكة المتحدة لا تزال تمثل نسبة صغيرة من إجمالي إنفاقها العالمي، وغالباً ما تتسم باقتناص الفرص، إذ تستفيد من انخفاض التقييمات لدعم صفقات الاستحواذ على الشركات المتداولة في البورصة وتحويلها لشركات خاصة، مثل استثمار جهاز أبوظبي للاستثمار في شركتي “هارغريفز لانسداون” (Hargreaves Lansdown) و”ديكرا فارماسوتيكلز” (Dechra Pharmaceuticals).
وأُعلن عن تلك الصفقات قبل أن يضطر الصندوق، الذي يدير أصولاً بتريليون دولار، إلى شطب كامل استثماره في شركة “ثيمز ووتر” (Thames Water)، أكبر شركة مرافق مياه في المملكة المتحدة، والتي مثلت بدورها تحدياً آخراً أمام العلاقات بين الجانبين.
اقرأ أيضاً: حكم قضائي جديد لصالح مانشستر سيتي في قضية “الرعاية التجارية”
كما ألقت اتهامات خرق قواعد اللعب المالي النظيف الموجهة ضد نادي “مانشستر سيتي” –المملوك للشيخ منصور- بظلالها على العلاقات. ويترقب النادي، الذي ينفي ارتكاب أي مخالفات، جلسة استماع بعد أن وجهت له رابطة الدوري الإنجليزي أكثر من 100 تهمة بانتهاك القواعد.
وتوصل الجانبان مؤخراً إلى تسوية بشأن قواعد المعاملات بين الأطراف ذات الصلة، التي تحدد قدرة الأندية الكبرى على إبرام صفقات رعاية مع شركات مرتبطة بمالكيها.
وتشهد العلاقات بين البلدين تحسناً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، بعد أن غابت أبرز الكيانات الاستثمارية الإماراتية بداية العام عن مؤتمر كان هدفه إعادة تقديم المملكة المتحدة كوجهة جاذبة للأعمال، في حين حضرها ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ورئيس نادي “نيوكاسل يونايتد”.
وصرح إدوارد أودني-ليستر، الرئيس المشارك لمجلس الأعمال الإماراتي-البريطاني: “العلاقة بين المملكة المتحدة والإمارات باتت أفضل، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى (رئيس الوزراء البريطاني) ستارمر. لا تزال هناك بعض القضايا التي تحتاج إلى حل، لكننا نسير في الاتجاه الصحيح”.
المصدر : الشرق بلومبرج
