الصين تشعل بهدوء سباق الشركات الناشئة في أميركا اللاتينية

الصين تشعل بهدوء سباق الشركات الناشئة في أميركا اللاتينية

بينما تستعرض الولايات المتحدة قوتها العسكرية في منطقة البحر الكاريبي بسفنها الحربية وقاذفات “بي-1″، تخوض الصين معركة أكثر تحفظاً في أميركا اللاتينية للفوز بسباق دعم الشركات الناشئة الواعدة في المنطقة.

يعد وصول مستثمرين صينيين ذوي ثروات طائلة وسط شحّ حاد في التمويل، خبراً ساراً لرواد الأعمال في أميركا اللاتينية. لكن على مؤسسي الشركات الحذر، ففي ظلّ التنافس المحموم بين القوى العظمى اليوم، قد يعقّد قبول الأموال الصينية طموحاتهم للتوسع في الولايات المتحدة مستقبلاً أو للإدراج في البورصات الأميركية.

هل تخوض واشنطن حرباً في أميركا اللاتينية؟ ثلاثة سيناريوهات

قد يعمل رأس المال الجريء في معظمه بعيداً عن الأنظار، لكن لو حاورتم مؤسسين ومستثمرين في شتى أرجاء المنطقة، سيظهر اتجاهٌ جديد: الشركات الصينية تأتي لتتعرف على الشركات المحلية واستكشاف الصفقات المحتملة.

ترى هذه الشركات في أميركا اللاتينية آفاقاً جديدة للاستثمار في مراحلها المبكرة، فهي منطقة تشبه من نواحٍ عديدة الصين قبل بضعة عقود، إذ تجد بها طبقة متوسطة صاعدة وأسواق مهيأة للتغيير، وهناك حاجة إلى بناء الكثير من القطاعات.

على عكس الوضع في الصين، حيث تواجه الآن منافسة شرسة وضغوطاً انكماشية، ما تزال بوابة المنافسة في أميركا اللاتينية مفتوحة على مصراعيها.

بحث عن تجارب نجاح جديدة في قطاع التقنية

تبحث شركات صينية عملاقة مثل “ديدي غلوبال” (Didi Global) و”بي إيه آي كابيتال” (BAI Capital) بهدوء عن فرص استثمارية لرأس المال الجريء، مراهنة على أن الجيل القادم من رواد الأعمال في أميركا اللاتينية قد ينتج شركة أخرى مثل “ميركادول ليبري” (MercadoLibre) أو “إن يو هولدينغز” (NU Holdings)، وهما من أبرز نجاحات قطاع التقنية في المنطقة.

حتى أن “ديدي” أنشأت ذراعاً استثماريةً تركز على إبرام الصفقات في المنطقة، حيث وظفت مسؤولين تنفيذيين سابقين من “جيه بي موغان تشيس أند كو” و”ماكينزي أند كو” للعثور على فرص، وفقاً لما أخبرني به أشخاص مطلعون على استراتيجية الشركة وقد طلبوا عدم كشف هوياتهم لأنهم يتطرقون إلى معلومات خاصة. لم ترد “ديدي” على رسالة بريد إلكتروني تطلب التعليق.

رئيس الصين يتودد لأميركا اللاتينية وسط ضغوط رسوم ترمب

لقد تأكد هذا التوجه الأسبوع الماضي، عندما أعلن الفرع الدولي لشركة “أنت غروب” (Ant Group)، الشركة التابعة للتقنية المالية التي شارك في تأسيسها قطب الأعمال الصيني جاك ما، عن ضخ رأس مال في شركة البنية التحتية للإقراض المدمجة (R2)، التي تعمل في المكسيك وتشيلي وكولومبيا وبيرو والبرازيل. ما الهدف؟ توسيع نطاق حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على الائتمان.

دعمت شركة “بي إيه آي كابيتال”، ومقرها بكين، شركة “ستوري” (Stori) المكسيكية للتقنية المالية، وأطلقت “إم ستار” (MStar)، وهي شركة جديدة لتمويل السيارات في المكسيك. في مارس، شاركت شركة “تينست هولدينغز” (Tencent Holdings) في أحدث جولة تمويل لشركة “يولالا” (Ualá) الأرجنتينية للتقنية المالية.

اقتصاد واعد لا تشتعل فيه المنافسة

ينجذب المستثمرون الصينيون إلى المنطقة جزئياً سعياً إلى وسيلة لتنويع استثماراتهم بعيداً عن قيود سوقهم المحلية، بما في ذلك الضغوط الحكومية والتنظيمية.

في أميركا اللاتينية، يمكنهم استغلال نقاط قوتهم، لا سيما في تقنية الذكاء الاصطناعي وعلاقاتهم مع شركات تصنيع المعدات الأصلية الصينية القوية، التي تورّد السلع والمكونات للعلامات التجارية العالمية، لتحقيق أفضلية في الأسواق الجديدة.

كما يهدف كثير منهم إلى بناء أنظمة بيئية متكاملة، كما يتضح من وصول شركات توصيل الطلبات في مرحلتها الأخيرة مثل “جي إند تي إكسبرس” (J&T Express) و”آي مايل” (iMile) لخدمة تجار التجزئة الصينيين عبر الإنترنت مثل مجموعة “شي إن” (Shein Group) أو”تيمو” (Temu) التابعة لشركة “بي دي دي هولدينغز” (PDD Holdings).

ترمب يشعل التوترات الجيوسياسية في أميركا اللاتينية

موجة الاهتمام الصيني المتجددة جاءت بعد طفرة أولية في نهاية العقد الماضي، وتأتي في وقت انهار نشاط رأس المال الاستثماري في أميركا اللاتينية من مستوى قياسي بلغ حوالي 16 مليار دولار في عام 2021 إلى حوالي 5 مليارات دولار فقط في عام 2025، وفقاً لشركة الأبحاث “بيتشبوك” (PitchBook). وهذا يعني أقل من 600 صفقة هذا العام، ما يضع عام 2025 على مسار بلوغ أقل عدد من الصفقات منذ عام 2018.

تعطش لرأس المال في أميركا اللاتينية

يقدم هؤلاء المستثمرون الجدد الذين يتمتعون بإمكانية الوصول إلى تمويل منخفض التكلفة، شريان حياة ضروري جداً للشركات الناشئة، ما يساعدها على التوسع وخلق فرص العمل وتوليد الثروة.

كما يمكن لكثير منها الاستفادة من التقنية والمعرفة الصينية لتوسيع نطاق أعمالها بشكل أسرع. بالنسبة للشركات الناشئة، يعد هذا بديلاً عملياً، لا سيما عند التعامل مع الشركات الراسخة ذات البصمة العالمية الراسخة.

غراف عن الإستثمار في شركات ناشئة في أميركا اللاتينية

مع ذلك، يصعب تجاهل الدلالات الجيوسياسية. فمع تجديد واشنطن تركيزها على المنطقة، قد تثير الشراكات مع المستثمرين الصينيين تدقيقاً سياسياً، ما يلقي بظلال على إمكانية الوصول إلى السوق الأميركية، أو حتى أن يعقّد خطط الإدراج في البورصات الأميركية.

ينبغي على رواد الأعمال في أميركا اللاتينية تقييم هذه المخاطر قبل الإقبال على رأس المال الاستثماري الصيني.

ابتعاد ترمب يقرب البرازيل والصين وسط البحث عن أسواق جديدة

أخبرني رامون إسكوبار، المدير السابق لاستراتيجية نصف الكرة الأرضية الغربي في مجلس الأمن القومي: “تراقب إدارة دونالد ترمب الوضع عن كثب، لا سيما في ما يتعلق بالتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي… إذا لم يتحرك رأس المال الأميركي بسرعة، فسيقبل المؤسسون الشيكات الصينية، ومع رأس المال يأتي النفوذ”.

في الواقع، في حين استحوذت شركة “أمازون” حديثاً على حصة في شركة التوصيل الكولومبية “رابي” (Rappi)، وأبرمت أيضاً صفقة مماثلة مع شركة “كواليتي بوست” (QualityPost) للبريد السريع ومقرها مونتيري في المكسيك، إلا أن إمكانات النمو ما تزال هائلة، والمنافسة تشتد.

معركة مراكز بيانات وشركات

أعلنت مجموعة جاك ما “علي بابا غروب هولدينغ” في سبتمبر أنها ستبني أول مركز بيانات لها في البرازيل وتوسع عملياتها في المكسيك، ما يضيف إلى المرافق التي تملكها “أمازون” و”مايكروسوفت” و”جوجل” التابعة لشركة “ألفابت” في المنطقة.

راهناً، ما تزال واشنطن منشغلة بجهودها الثنائية لمكافحة تجار المخدرات والضغط على فنزويلا.

لكن قريباً، ستدور المعركة الجيوسياسية في أميركا اللاتينية حول التقنية، وحول بروتوكولات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات التي تتبناها الدول، والسحابات والشبكات والكابلات البحرية التي تشغّلها، وفي نهاية المطاف، الشركات والصناعات والبيانات التي تتحكم بها.

ستشكّل هذه المرحلة القادمة اختباراً ليس فقط لحكومات أميركا اللاتينية، بل للمستثمرين والقطاع الخاص أيضاً.

المصدر : الشرق بلومبرج