إصلاح مصارف سوريا.. ولادة من الخاصرة

إصلاح مصارف سوريا.. ولادة من الخاصرة

بعد أعوام من التدهور والانعزال، تعود جهود إصلاح القطاع المصرفي السوري إلى الواجهة في محاولة جريئة -لا تحتمل الفشل- لإنعاش جهاز هشّمته الحرب. لكن المهمة تبدو عصيبة، أقرب إلى “ولادة من الخاصرة”، لقطاع خسر أهم مقومات استقراره: الودائع والثقة.

على مدار العقدين الماضيين، تبدّل وجه القطاع المصرفي السوري مرات عدة؛ من انفتاح حذر مطلع الألفية سمح بدخول المصارف الخاصة والأجنبية، إلى نمو سريع في الأصول والودائع والقروض رغم بقاء الهيمنة بيد البنوك الحكومية. لكن كل ذلك تبدد مع اندلاع الحرب عام 2011، التي شكّلت نقطة الانهيار الكبرى، إذ تراجعت الثقة، انسحب المستثمرون، تبخرت الودائع، وارتفعت الديون المتعثرة، فيما تمددت سوق موازية للعملات تعكس هشاشة النظام المالي في اقتصاد مضطرب.

هيكل القطاع المصرفي السوري.. تعدد الكيانات وتفاوت الأدوار 

يتوزع القطاع المصرفي السوري حالياً بين بنوك عامة وخاصة، لكل منها تركيبتها ومهامها، ضمن مشهد تشكّل على مراحل وتطور في ظل ظروف سياسية واقتصادية متقلبة.

يتكوّن القطاع من نحو 21 بنكاً، تتوزع بين 6 بنوك حكومية و15 بنكاً خاصاً. وتضم البنوك العامة كلاً من: المصرف التجاري السوري، المصرف الصناعي، المصرف الزراعي التعاوني، مصرف التسليف الشعبي، المصرف العقاري، ومصرف التوفير. 

اقرأ أيضاً: حاكم مصرف سورية المركزي لـ”الشرق”: نعمل على تعويم مدار لليرة

أما المصارف الخاصة، والتي تعود نشأتها إلى بدايات العقد الأول من الألفية، فتجمع بين الصيغة التقليدية والإسلامية، ومن أبرزها: بنك سورية والمهجر، بنك بيمو السعودي الفرنسي، بنك سورية والخليج، بنك قطر الوطني (QNB) – سورية، مصرف فرنسا (سورية)، البنك الدولي الإسلامي في سورية، وبنك الشام الإسلامي. وتتميّز هذه البنوك بعلاقات شراكة مع مؤسسات مالية أجنبية، معظمها من لبنان، في حين يخضع بعضها لعقوبات دولية أثّرت في نطاق عملها الخارجي.

ورغم أن عدد المصارف الخاصة لم يشهد تغيرات جوهرية منذ عام 2010، حين بلغ 13 مصرفاً، فإن مطلع عام 2025 سجّل مؤشرات فعلية على توسع مرتقب. فقد أعلن حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر حصرية، أن الحكومة تستهدف مضاعفة عدد البنوك التجارية بحلول عام 2030، بالتوازي مع بدء بنوك أجنبية بإجراءات الحصول على التراخيص اللازمة.

كما أطلقت الدولة مُبادرات لتحفيز عمليات الاندماج والتحالف بين المصارف، في مسعى لمعالجة أوضاع البنوك المتعثرة وتعزيز استقرار القطاع المالي، مع فتح الباب أمام دخول لاعبين جدد إلى السوق.

الحرب.. الضربة التي قصمت ظهر البنوك السورية 

تسببت الحرب التي اندلعت عام 2011 في واحدة من أعنف الهزات التي تعرض لها القطاع المصرفي السوري، حيث قادت إلى تراجع حاد في أدائه ودخوله في حالة من الانكماش الحاد والشلل شبه الكامل. فقد تدهورت أعمال البنوك بشكل ملحوظ خلال السنوات الأولى من الأزمة، وسط انهيار واسع في الثقة وفقدان بيئة الاستقرار الضرورية لعمل المؤسسات المالية.

وتُظهر البيانات المالية للمصارف الخاصة والميزانية العمومية لمصرف سورية المركزي بين عامي 2011 و2013 مدى عمق الضرر، إذ تحوّلت الزيادة الاسمية في الأصول، التي بلغت 34% بالليرة السورية، إلى انخفاض حاد عند احتسابها بالدولار. فقد تراجعت أصول القطاع المصرفي الخاص من 13.8 مليار دولار مطلع 2011 إلى 5 مليارات دولار فقط بحلول سبتمبر 2013، أي بخسارة نسبتها 64%. وانخفضت الودائع من 11 مليار دولار إلى 3 مليارات دولار، ما يعادل هبوطاً بنسبة 73%. في الوقت ذاته، ارتفعت نسبة الديون المتعثرة من نحو 3% إلى 41%، ما دفع البنوك إلى شطب أجزاء كبيرة من محافظها الائتمانية المتعثرة.

اقرأ أيضاً: سوريا تنضم إلى منصة “بُنى” للمدفوعات لتعزيز انفتاحها المالي

وشهدت الأشهر الأولى من الأزمة موجة سحوبات مصرفية ضخمة. ففي مايو 2011، أعلن مصرف سورية المركزي أن المودعين سحبوا نحو 680 مليون دولار، بما يعادل 7% تقريباً من ودائع البنوك الخاصة، بفعل مخاوف من تراجع قيمة الليرة وفقدان الاستقرار المالي.

بالتوازي، انسحب المستثمرون الأجانب وأُجبرت المصارف السورية على قطع علاقاتها مع عدد كبير من البنوك المراسلة في الخارج، ما فاقم من عزلة القطاع عن النظام المالي العالمي، وقيّد بشدة قدرته على توفير الائتمان أو التفاعل مع الأسواق الدولية. هذا الانفصال أضعف الدور الحيوي للبنوك في دعم النشاط الاقتصادي، في وقت كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى أدوات تمويل فعّالة.

وتكشف بيانات مصرف سورية المركزي أنه بحلول كانون الأول ديسمبر 2013، كان نحو 35% من أصل 243 فرعاً تابعاً للقطاع المصرفي الخاص متوقفاً عن العمل أو لا يعمل بكامل طاقته، بينما كان 35% من أصل 296 فرعاً للقطاع العام في وضع مماثل، ما يعكس حجم التعطّل الذي ضرب البنية التشغيلية للقطاع المصرفي.

الودائع والقروض مرآة تقهقر البنوك 

تكشف المؤشرات المصرفية الأخيرة عن مفارقة قاسية: ارتفاع اسمي في أرقام الودائع والقروض، يقابله تدهور حاد في القوة الشرائية، وسط تضخم مفرط وانهيار شبه تام في سعر صرف العملة.

على سبيل المثال، بلغت ودائع القطاع الخاص لدى المصرف التجاري السوري بنهاية النصف الأول من عام 2024 نحو 3.183 تريليون ليرة سورية، توزعت بين 2.925 تريليون ليرة تحت الطلب، و91 مليار ليرة لأجل، و167 مليار ليرة في حسابات التوفير، وفق بيانات مصرف سورية المركزي. أما إجمالي القروض الممنوحة من جميع المصارف العامة خلال عام 2023، فقد بلغ نحو 1.288 تريليون ليرة، منها 450 مليار ليرة من المصرف التجاري السوري، والباقي موزع على بقية المصارف العامة كالصناعي والزراعي والتسليف والتوفير.

اقرأ أيضاً: سوريا تتجه لإطلاق “الليرة الجديدة”.. ما الذي نعرفه حتى الآن؟

وفي مقارنة مع عام 2010، كان إجمالي الودائع المصرفية حينها يقارب 1.07 تريليون ليرة سورية، ما يعادل نحو 22.7 مليار دولار بحسب سعر الصرف في تلك الفترة. أما في عام 2024، فتُشير بيانات سوق دمشق للأوراق المالية إلى أن إجمالي الودائع لدى 14 مصرفاً تجارياً يبلغ نحو 4.9 مليارات دولار فقط. ورغم أن القيمة الاسمية للودائع ارتفعت بالليرة السورية، فإن العملة فقدت أكثر من 99% من قيمتها أمام الدولار منذ 2011، ما يعكس تراجعاً حاداً في القوة الشرائية للودائع وفي القدرة التمويلية للقطاع المصرفي.

على صعيد رأس المال، قامت معظم البنوك العامة بزيادات في رؤوس أموالها خلال الفترة الأخيرة في محاولة لتعزيز ملاءتها المالية. فقد تم رفع رأسمال المصرف التجاري السوري إلى 450 مليار ليرة، والمصرف العقاري إلى 170 مليار ليرة، في خطوة تهدف إلى دعم استقرار القطاع وتعزيز قدرته على مواجهة المخاطر.

في المُقابل، لا تتوفر بيانات حديثة وموثوقة حول حجم الودائع والقروض في البنوك الخاصة، إلا أن التقديرات تُشير إلى أنها بقيت محدودة بسبب هشاشة البيئة الاقتصادية. وعلى الرغم من الحاجة المتزايدة للتمويل، بقي القطاع الخاص عاجزاً عن الحصول على تسليفات كبيرة، ما دفعه للاعتماد المتزايد على التمويل الذاتي أو اللجوء إلى قنوات تمويل غير مصرفية.

المال السوري في قبضة المصارف اللبنانية

أظهرت الأزمة المالية في لبنان مدى ترابط النظامين المصرفيين في البلدين، حيث علِقت مليارات الدولارات السورية في المصارف اللبنانية، ما زاد من حدة أزمة السيولة في الداخل السوري وأربك المشهد المصرفي برمّته.

وقد أعادت الأزمة المالية في لبنان تسليط الضوء على ملف الأموال السورية المجمّدة في المصارف اللبنانية، وهو ملف بالغ التعقيد يعكس تداخلاً سياسياً ومالياً عميقاً بين البلدين. فقد شكّل النظام المصرفي اللبناني، لسنوات، نافذة حيوية أمام القطاع المالي السوري المحاصر، الذي يفتقر إلى قنوات مباشرة للتعامل مع الأسواق الدولية. ومع تصاعد النزاع في سوريا وتدهور بيئتها الاقتصادية، اعتمدت الشركات والأفراد السوريون بشكل متزايد على البنوك اللبنانية كوسيط أساسي في التحويلات والأنشطة المالية.

اقرأ التفاصيل: المركزي السوري يمنح البنوك 6 أشهر لتقديم خطط لتغطية خسائرها في لبنان

ووفقاً لتصريحات حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية، فإن المصارف السورية تحتفظ حالياً بأكثر من 1.6 مليار دولار عالقة في النظام المصرفي اللبناني، ما يعادل أكثر من ثلث إجمالي الودائع المقدّرة في القطاع المصرفي التجاري السوري، والتي تبلغ 4.9 مليار دولار بحسب بيانات سوق دمشق للأوراق المالية لعام 2024. وتشمل قائمة المصارف المتأثرة كلاً من بنك الشرق (سوريا)، وبنك بيمو السعودي الفرنسي، وسورية والمهجر، وبنك الشهباء، والأهلي تراست، إلى جانب عدد من المصارف متوسطة الحجم.

وفي تصريح لـ”الشرق”، اعتبر الخبير الاقتصادي فراس شعبو أن القضية تتجاوز إطارها المصرفي، لتأخذ بُعداً سياسياً واقتصادياً معقداً. ولفت إلى أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن إجمالي الودائع السورية، الحكومية والخاصة، يتجاوز 20 مليار دولار، بينما تتراوح بعض التقديرات الأخرى بين 10 و42 مليار دولار تبعاً لاختلاف المصادر.

وأوضح شعبو أن استعادة هذه الأموال تتطلب اتفاقاً خاصاً بين الحكومتين، ولا سيما أن مصرف لبنان شدد في وقت سابق على أن هذه الودائع تُعامل شأنها شأن باقي الودائع اللبنانية، ويتوجب على المصارف المعنية ردّها عند الطلب. 

وأشار شعبو إلى أن مصرف سورية المركزي منح البنوك التجارية مهلة مدتها ستة أشهر لتغطية خسائرها الناجمة عن الأزمة اللبنانية، وتقديم خطط إعادة هيكلة قابلة للتنفيذ، وهو ما يُعدّ اعترافاً رسمياً بهذه الخسائر في ميزانياتها.

وأكد أن هذا الإجراء دفع بعض المصارف للبحث عن مُستثمرين جدد أو شركاء من مصارف إقليمية لتعزيز قاعدة رؤوس أموالها. غير أن القلق يتصاعد، بحسب شعبو، من ضيق المهلة الممنوحة ومن غياب أي آليات دعم موازية تضمن استقرار القطاع المالي، مشدداً على أن “فرض معالجة الخسائر بوتيرة متسارعة قد يتعارض مع المعايير الدولية ويزيد من هشاشة النظام المصرفي السوري”.

أزمة سيولة غير مسبوقة 

تُعاني المصارف السورية من اختناق مالي غير مسبوق، إذ تسبب فقدان الثقة والعزلة الدولية في تجفيف منابع السيولة، لتتحول البنوك إلى كيانات شبه مشلولة، عاجزة عن الإقراض أو استقطاب المدخرات.

منذ أن فُصلت المصارف السورية عن شبكة “سويفت” قبل نحو 14 عاماً، تقلّصت قنوات التحويل الخارجية إلى حدٍّ غير مسبوق، وتراجع تدفّق النقد الأجنبي، ما حوّل المصارف إلى كيانات تعمل ضمن دائرة مغلقة ومعزولة عن الأسواق العالمية.

اقرأ أيضاً: مصرف سورية المركزي يدرس ترخيص بنوك جديدة

وفي حديث لـ”الشرق”، اعتبر الخبير الاقتصادي والمتخصص في العلوم المالية والمصرفية علي محمد، أن التراجع الحاد في حجم الإيداع داخل المصارف السورية يرتبط مباشرة بتشديد القيود على السحوبات والتحويلات، وهو ما دفع المواطنين إلى سحب أموالهم والاحتفاظ بها خارج الجهاز المصرفي، إما نقداً في المنازل أو من خلال ما يُعرف بـ”الحسابات الصفراء” في مصرف سورية المركزي – وهي حسابات شبه جامدة تُقيّد فيها الأرصدة دون إمكانية التصرف الكامل بها.

وأضاف محمد أن هذه الظاهرة أسهمت في تعميق أزمة الثقة، ودفعت الاقتصاد السوري نحو نمط “اقتصاد نقدي بامتياز”، بحسب ما وصفته تقارير رسمية، حيث تراجع استخدام الأدوات المصرفية لصالح التداول النقدي المباشر في السوق.

وأشار إلى أن المصارف السورية تحوّلت في معظمها إلى أدوات إدارية لنقل موارد المؤسسات العامة، بدلاً من أن تؤدي دوراً تمويلياً فاعلاً للقطاع الخاص أو المشروعات الإنتاجية، في حين اختار المودعون الأفراد موقف الترقّب والتحفّظ. وقد فقدت العملة الوطنية أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011، بينما بقيت كثير من الودائع الدولارية مجمّدة أو صُرفت وفق سعر الصرف الرسمي المنخفض، ما أدى إلى خسائر جسيمة وتآكل شبه كامل لمدخرات الأفراد، وسط غياب رؤية مصرفية فعّالة لترميم الثقة أو تحفيز الإقراض والاستثمار.

وفي محاولة لاحتواء تداعيات انهيار الثقة، أعلن مصرف سورية المركزي في عام 2025 عن تأسيس “هيئة ضمان الودائع” بهدف حماية صغار المودعين وتشجيعهم على إعادة أموالهم إلى البنوك، مع التأكيد على ضرورة توفير آليات ضمان شفافة وفعالة. كما أظهرت تقارير اقتصادية أن بعض المصارف المحلية تستعد لطرح شهادات ادخار بالدولار بعوائد مشجّعة، في خطوة تهدف إلى جذب التحويلات الخارجية وتنشيط قاعدة الودائع.

تمويل محدود وإقراض محاصر بقيود السوق

في ظل تراجع المبادرات الخاصة، باتت الدولة اللاعب الرئيسي في ملف الإقراض، من خلال برامج تمويل حكومية موجهة، ولكنها محدودة ومقيدة بشروط السوق والواقع المتعثر.

وتقوم البنوك الحكومية، وفي مقدمتها “المصرف التجاري السوري” و”المصرف الصناعي”، بتقديم قروض بمعدلات فائدة مرتفعة نسبياً تصل إلى نحو 18% سنوياً، تُوجَّه أساساً لتمويل رأس المال العامل والمشاريع الإنتاجية والزراعية ذات الطابع الحكومي. 

فخلال النصف الأول من عام 2024، منح “المصرف التجاري السوري” قروضاً بقيمة 72 مليار ليرة سورية لتمويل مشاريع إنتاجية، إلى جانب 325 مليار ليرة قروضاً استهلاكية لشراء سلع من مؤسسات القطاع العام. كما شملت برامج التمويل مبادرات لدعم الطاقة المتجددة بلغت 184 مليار ليرة، وتمويل مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر ضمن صيغ تمويل بضمانات محددة.

ورغم هذه المبادرات، لا يزال حجم الإقراض الفعلي محدوداً، مدفوعاً بضعف الطلب وارتفاع معدلات التعثر، حيث يواجه القطاع الخاص صعوبات في تقديم الضمانات الكافية أو سداد الفوائد المرتفعة. ولا تتوفر بيانات رسمية محدثة عن حجم القروض المتعثرة، لكن بحسب وزارة المالية قبل سقوط النظام، تجاوزت نسب التعثر في بعض البنوك الحكومية سابقاً حاجز 30% من إجمالي محافظها الائتمانية.

وأمام هذه التحديات، أصدرت وزارة المالية قراراً بتشكيل لجنة استشارية خاصة برئاسة القاضي عامر أوفلي، ممثلاً عن الوزارة، تتولى دراسة ملفات الديون المتعثرة لدى المصارف الحكومية واقتراح آليات للمعالجة والبتّ في الحلول الممكنة، في محاولة للحد من المخاطر الائتمانية وتعزيز استدامة النظام المصرفي.

إصلاحات ما بعد الثورة

مع تغير الخارطة السياسية، شرعت السلطات الجديدة في تبني حزمة من الإجراءات المصرفية، طامحة إلى إعادة هيكلة النظام المالي، لكن هذه الخطوات ما زالت تواجه تحديات كبيرة في التنفيذ والأثر.

وخلال العام الجاري، صدر قانون تأسيس “الهيئة الوطنية لضمان الودائع” كخطوة تستهدف الحد من حالات الذعر الجماهيري المحتملة عند تعرّض أي مصرف لأزمة سيولة، إلى جانب قرارات تُلزم البنوك بتغطية خسائرها بنسبة 100% تحسباً للصدمات المالية المحتملة.

كما أقرّ مصرف سورية المركزي سياسة “التعويم المدار” لسعر صرف الليرة، في محاولة لإضفاء مرونة أكبر على السياسة النقدية، مع الإعلان عن مشروع لإصدار عملة جديدة بعد حذف صفرين منها، في خطوة وصفها حاكم المصرف بأنها تهدف إلى تعزيز استقرار الأسعار وتحسين كفاءة أداء القطاع المصرفي.

اقرأ أيضاً: مصرف سورية المركزي يجمد الحسابات المصرفية التابعة للنظام السابق

غير أن هذه التدابير، بحسب مستشار الإدارة العامة في “المصرف العقاري” وخبير السياسات المصرفية عارم الطويل؛ لا ترقى إلى مستوى الإصلاحات بالمعنى الحقيقي. وفي تصريحه لـ”الشرق”، أوضح الطويل أن ما جرى خلال الأشهر الثمانية الماضية يندرج ضمن نطاق “السياسات الوقائية”، التي هدفت إلى احتواء تدهور السوق المالي وضبط حركته دون إجراء تغييرات هيكلية عميقة.

وأشار الطويل إلى أن الإجراءات التي اتخذها مصرف سورية المركزي ركّزت على السيطرة المحكمة على السيولة النقدية بكافة أشكالها، وشملت تجميد عدد كبير من الحسابات المصرفية، وتحديد سقوف صارمة للسحوبات والتحويلات، إضافة إلى فرض قيود على حركة الأموال داخل البنوك، سواء كانت ودائع أو سحوبات مباشرة، بهدف كبح عمليات تهريب الأموال والتحكم بسعر الصرف مقابل الدولار.

وفيما بدأت ملامح إصلاحات مصرفية أوسع تلوح في الأفق، أشار الطويل إلى أن هذه الخطوات لا تزال في مرحلة الإعداد والدراسة. وكشف أن الجهاز المركزي للرقابة المالية – وليس مصرف سورية المركزي – هو الجهة التي تتولى حالياً إعداد خطة إصلاحية شاملة. وتشمل الخطة مراجعة أوضاع القروض المتعثرة، وتحليل التوازن بين التزامات المصارف تجاه المودعين والديون المستحقة على المقترضين، في مسعى لإعادة ضبط هيكل التزامات القطاع المصرفي وتخفيف حدة أزمة الديون التي تفاقمت خلال سنوات الحرب.

ولادة قطاع موازٍ

في ظل ضعف أداء البنوك السورية وتراجع دورها في تقديم الخدمات المالية، برزت شركات الصرافة والحوالات كبديل فعلي يملأ الفراغ النقدي، لتصبح ركيزة أساسية في حركة الأموال داخل البلاد. وبنظر عارم الطويل، فإن الانكماش الحاد في وظائف البنوك التقليدية خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تزايد الاعتماد على مؤسسات الصرافة والحوالات المالية، التي باتت تشكل العصب الرئيسي لتداول النقد الأجنبي وتحويل الأموال.

وأوضح الطويل أن بيانات “مصرف سورية المركزي” حتى منتصف عام 2025 تشير إلى ترخيص نحو 40 شركة ومكتب صرافة وحوالات مالية، بينها 14 شركة كانت قائمة سابقاً، و26 شركة جديدة أُنشئت غالبيتها في شمال البلاد، لافتاً إلى أن هذه المؤسسات باتت تُستخدم كمنصات رئيسية لتداول العملات الأجنبية وتحويل الأموال الواردة من الخارج، في ظل تراجع فاعلية البنوك في أداء هذه المهام.

اقرأ أيضاً: سوريا تعود إلى الاقتصاد العالمي بعد 14 عاماً من العزلة

وأضاف أن حوالات المغتربين السوريين ما تزال تشكّل أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي للبلاد، رغم استمرار التحديات التنظيمية. وبيّن أن هذه الحوالات كانت تخضع سابقاً لقيود صارمة، إلا أن هذه القيود خُففت تدريجياً منذ منتصف عام 2010، وشملت رفع سقف التحويلات للمسافرين، وهو ما ساعد على تنشيط الحركة المالية عبر القنوات الرسمية. ومع ذلك، أكد الطويل أن جزءاً كبيراً من الحوالات لا يزال يُصرف خارج الأطر النظامية، أو يتم تداوله عبر السوق السوداء، ما يُضعف أثرها في دعم الاقتصاد الرسمي ويعكس الحاجة الملحّة لإصلاح الإطار التنظيمي لضبط هذا القطاع الموازي.

التحديات المصرفية الرقمية

رغم التوسع العالمي السريع في اعتماد الخدمات المصرفية الرقمية، لا يزال القطاع المصرفي السوري متأخراً عن الركب التقني، إذ يواجه عوائق بنيوية وتقنية كبيرة تحدّ من قدرته على مواكبة التحولات الرقمية. فضعف شبكات الاتصالات وتدنّي معدلات استخدام الإنترنت، إلى جانب غياب تشريعات شاملة تحمي المعاملات الرقمية، جعل من الخدمات المصرفية الإلكترونية تجربة محدودة الأثر في السوق المحلية.

وفي تصريح لـ”الشرق”، أوضح أندرو العشي، نائب مدير فرع “بنك الشهباء”، أن الخدمات المصرفية الرقمية في سوريا “ما زالت في مراحلها الأولى”، مشيراً إلى أن البنوك توفر حالياً “خدمات إلكترونية بسيطة”، مثل الدفع عبر الإنترنت، والاستعلام عن الرصيد، وتنفيذ تحويلات محدودة. لكن العشي أكد أن نطاق هذه الخدمات لا يزال “ضئيلاً جداً” مقارنة بما هو متاح في الأسواق الإقليمية.

وأضاف أن التحدي الأبرز يتمثل في ضعف البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، ما يقيّد قدرة البنوك على توسيع خدماتها الرقمية. كما أشار إلى أن انخفاض نسبة استخدام الإنترنت محلياً يحدّ من انتشار حلول الدفع الإلكتروني والإقراض عبر المنصات الرقمية، موضحاً أن تطوير هذا القطاع يتطلب “استثمارات كبيرة في التكنولوجيا المالية، وتحديث الإطار التشريعي، وبناء ثقة حقيقية لدى المستخدمين في أدوات الدفع والتحويل الرقمي”.

طالع أيضاً: زيادة حجم الاقتصاد غير الرسمي أكبر تحدٍ يواجه سوريا

في المقابل، ظهرت حلول مالية غير مصرفية أبرزها تطبيق “شام كاش”، وهو محفظة إلكترونية حكومية تُستخدم لتلقي رواتب موظفي الدولة ودفع الفواتير وتنفيذ الحوالات الداخلية. غير أن التطبيق لم يُطرح على المتاجر الرسمية، وعانى من مشكلات تقنية متكررة، كما أثار تساؤلات حول الشفافية، نظراً لعدم وضوح هوية الشركة المطوّرة.

كما ظهرت مبادرات خاصة محدودة مثل “ليرات”، وهي محفظة رقمية تدعم العملات المتعددة وتوفر بطاقات فيزا افتراضية، بالإضافة إلى منصات رقمية تعتمد على العملات المشفرة للتحويل أو التداول، لكنها لا تخضع لأي ترخيص رسمي، ما يحدّ من موثوقيتها وانتشارها. 

بوجه عام، تبقى الثقة في الخدمات الرقمية المصرفية متدنية في سوريا، بفعل غياب الرقابة، والانقطاعات المتكررة للكهرباء والإنترنت، فضلاً عن تجارب المستخدمين السلبية. وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد بتقنيات الدفع الجديدة، لا يزال معظم السوريين يعتمدون على المعاملات النقدية التقليدية أو الحوالات عبر شركات الصرافة، في ظل ضعف القنوات الرقمية وعدم جاهزيتها لخدمة أوسع قاعدة من المستخدمين.

استعادة الثقة وتمويل التنمية

يشير المحامي عارم الطويل، المستشار القانوني لـ”المصرف العقاري”، أحد أكبر المصارف العامة السورية، إلى أن القطاع المصرفي السوري شهد تحولات جذرية خلال العقدين الماضيين، انتقل خلالها من مرحلة الانفتاح والنمو ما قبل 2011، إلى أزمات السيولة وانعدام الثقة وضعف الرقابة خلال سنوات الحرب، ثم إلى واقع ضبابي بعد سقوط النظام، لا يزال يبحث عن توازن نقدي واستقرار مؤسسي.

ورأى الطويل أن الإجراءات الأخيرة، مثل تعزيز رؤوس أموال المصارف، وتفعيل “هيئة ضمان الودائع”، وتحرير سعر صرف الليرة، تُعد خطوات إيجابية ضمن السياق الإصلاحي، لكنها تظل محدودة الأثر في ظل هشاشة البنية المالية وضعف الثقة العامة بالمؤسسات المصرفية.

وأكد أن “مشكلة الثقة” تمثّل جوهر التحدي الحالي، موضحاً أن الثقافة المصرفية في سوريا لا تزال في طور التشكّل، لأن القطاع المصرفي نفسه حديث نسبياً، ولم ينجح بعد في بناء علاقة مستقرة مع المواطن. وأشار إلى أن دور المصرف تجاوز الوظيفة التقليدية كمكان لحفظ الأموال، ليصبح عنصراً محورياً في منظومة التحول الرقمي، بما يشمل الدفع الإلكتروني والتعاملات الرقمية، وربما مستقبلاً العملات المشفرة.

اقرأ أيضاً: سوريا تسعى للحصول على منح بمليار دولار من البنك الدولي

وفي ما يخص السياسات النقدية، شدد الطويل على أهمية وضوح الرؤية وتكامل الإصلاحات، معتبراً أن استمرار القيود المفروضة على السحوبات يُقوّض الثقة، حتى مع ظهور بعض الإشارات الإيجابية المرتبطة بتنظيم سوق القطع الأجنبي.

كما أشار إلى أن خطة “الجهاز المركزي للرقابة المالية” لمعالجة القروض المتعثرة من خلال الموازنة بين حجم الودائع والديون المستحقة تُعد خطوة بالغة الأهمية لإعادة التوازن المالي إلى البنوك العامة والخاصة، بما يسمح بإعادة هيكلة المحافظ الائتمانية وتمهيد الطريق لدور تمويلي أكثر فاعلية.

وختم الطويل بالقول إن استعادة الثقة وتوسيع قدرة المصارف على تمويل القطاع الخاص يمثلان المفتاح الحقيقي لتعافي القطاع المصرفي واستعادته لدوره التنموي. ولفت إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إصلاحات متوازنة، وشفافية عالية، ونهجاً مصرفياً جديداً، مشدداً على أن الثقة لن تُبنى ما لم يشعر المواطن بأنه يمتلك حرية التعامل الكاملة بأمواله دون قيود تُقيّد سحبها أو استخدامها. 

المصدر : الشرق بلومبرج