ألقى د. محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، كلمةً في المؤتمر العِلمي الذي نظَّمه المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة الإسبانية مدريد، تحت عنوان: «دَور المؤسَّسات الدِّينيَّة في صناعة الوعي الفكري الآمن وانعكاسات ذلك على سلامة المجتمعات»، وذلك بمشاركة د. عباس شومان، رئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، ونخبة من أساتذة الجامعات الأوروبيَّة.
أكَّد د. محمد الجندي، خلال كلمته، أنَّ رسالة الأزهر الشريف بقيادة فضيلة الإمام الأكبر أ. د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر، تقوم على الدعوة للسلام، وترسيخ قِيَم الرحمة، ونبذ العنف والكراهية، واحترام إنسانيَّة جميع البشر، مشيرًا إلى أنَّ هذا المؤتمر يمثِّل محطَّةً مهمَّةً لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الإسلام، وإبراز دعوته ودعوة الشرائع السماويَّة للتعايش والسلم العالمي، ورَفْض التطرُّف وإراقة الدماء.
أوضح أنَّ حِفظ النفْس الإنسانيَّة قيمةٌ ثابتةٌ لا يختلف عليها عاقلان، وأنَّ احترام خصوصيَّة أصحاب الديانات، وحماية حقِّهم في ممارسة شعائرهم- أصلٌ من أصول الاستقرار الإنساني، لافتًا إلى أنَّ الإسلام جاء بمنهج ينسجم مع طبيعة الوجود، ويهذِّب السلوك البشري، ويقود المجتمع نحو الإخاء والتكامل بعيدًا عن صراعات الهيمنة ونزعات التمييز.
وتابع الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ القرآن الكريم وضع أُطُرًا واضحةً لإدارة العَلاقات الإنسانيَّة على أساس السلام والمحبَّة، مستشهدًا بنماذج مِنَ الآيات التي تُذكِّر الإنسان بوحدة الأصل البشري، وتوجِّه المسلمين إلى البر والقسط مع مَن لا يحاربونهم في الدِّين، مؤكِّدًا أنَّ جميع الرسالات السماويَّة جاءت لتكرِّم الإنسان أيًّا كان معتقده أو لونه أو عِرقه.
أردف أنَّ التاريخ الإسلامي زاخر بمواقف عمليَّة رسّخت البرَّ والقسط مع الآخر، وضمنت حماية دُور العبادة، وصون حقوق أهل الذمَّة، مشيرًا إلى نماذج من عهد الخلفاء الراشدين والمعاهدات التي حفظت للناس أرواحهم وأموالهم ومعتقداتهم.
أشار إلى أنَّ العواصم الإسلاميَّة -عبر العصور- فتحت أبوابها أمام العلماء والمفكِّرين من مختلِف الديانات؛ ما جعل التسامح قوَّةً حضاريَّةً وليس موضع ضعف، وأنَّ مسيرة الأزهر الشريف -عبر تاريخه الطويل- قامت على ترسيخ قِيَم التسامح والتعايش، وأنه جسَّد هذه القِيَم واقعًا معاصرًا بإنشاء (بيت العائلة المصريَّة)، والدعوة إلى (حوار الشرق والغرب)، وصياغة (وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة)، وإطلاق مبادرة (صُنَّاع السلام).
أكَّد د. الجندي أنَّ العالَم اليوم يحتاج إلى خطاب حضاري عادل ومتوازن، يفتح أبواب الشراكة بدل الصراع، ويعيد للإنسان مكانته أمام موجات الماديَّة والأنانية، وأنَّ قضايا المجتمعات لا تُحلُّ بالعزل والإقصاء؛ بل بالحوار والاندماج، وأنَّ صون كرامة الإنسان حجر أساس لسلام الأمم.
شدَّد على أنَّ التطرُّف والعنصريَّة ليستا نتاجًا دِينيًّا بقدْر ما هما أمراض حضاريَّة تغذِّيها المصالح الضيِّقة حين تطغى على القِيَم والأخلاق، موضِّحًا أنَّ بناء قِيَم التسامح يقوم على تشريعات عادلة تحمي الجميع دون تمييز.
وتوقَّف الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة عند تأثير التكنولوجيا في صناعة الوعي العالمي، مؤكِّدًا أنَّ غياب القِيَم يحوِّلها إلى أداة تمزيق، بينما توظيفها عبر معايير أخلاقيَّة يجعلها قادرةً على تعزيز التفاهم والتكامل بين الشعوب.
ودعا الدكتور محمد الجندي في ختام كلمته إلى ضرورة فهم رسالة الإسلام ودعوته لاحترام الآخر، وأهميَّة إنشاء مراكز بحثيَّة عالميَّة لنشر ثقافة السلام والأخوَّة الإنسانيَّة، إضافةً إلى وَضْع منظومة دوليَّة مترابطة لتعزيز التسامح الدِّيني، وتوظيف الآليَّات الإعلاميَّة والدِّعائيَّة كافَّة لتحقيق هذا الهدف.
المصدر : كشكول
