تقنية تصوير بالرنين المغناطيسي للجسور قد تمنع الكوارث

تقنية تصوير بالرنين المغناطيسي للجسور قد تمنع الكوارث

إعداد: أحمد البشير

تشهد البنية التحتية في الولايات المتحدة ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة موجات الحرارة المتزايدة، حيث أصبحت الجسور عرضة لأضرار متسارعة وصعبة الاكتشاف في مراحلها الأولى. وفي ظل هذه التحديات، يعمل فريق من جامعة تكساس في أرلينغتون بقيادة البروفيسور سويون هام، على تطوير تقنية مبتكرة أشبه بجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن مخصصة للجسور، تهدف إلى تسريع عمليات الفحص ورصد العيوب الخفية قبل أن تتحول إلى مشاكل خطيرة تهدد السلامة العامة.

وتعتبر الحرارة من أخطر العوامل المؤثرة في البنية التحتية، إذ توصف بأنها «القاتل الصامت» للجسور، فالمواد التي تُصنع منها هذه الهياكل مثل الفولاذ والخرسانة تتمدد وتنكمش مع تغيّر درجات الحرارة.

تصرفات غير متوقعة

يؤكد البروفيسور بول شينوسكي، أستاذ الهندسة المدنية بجامعة «كولورادو بولدر»، أن معظم الجسور الحالية صُممت لتحمل درجات حرارة أقل بكثير من المستويات التي نشهدها اليوم، الأمر الذي يجعلها عرضة لتصرفات غير متوقعة. فعندما ترتفع الحرارة إلى مستويات قياسية، يمكن أن تتمدد المفاصل الفولاذية إلى درجة تُعيق حركة الجسور المتأرجحة وتجعلها غير قادرة على الفتح أو الإغلاق بشكل مؤقت.

كما أن الخرسانة تت“`مدد تحت تأثير الحرارة، وإذا تجاوز تمددها حدود التصميم الأصلي، فإنها تتشقق وتكشف المكونات المعدنية الداخلية للتآكل، مما يسرّع تلفها.

وشهد العالم بالفعل حوادث عدة تؤكد خطورة تأثير الحرارة، ففي الصين في عام 2022، انهار جسر خرساني بسبب درجات حرارة مرتفعة بشكل غير مسبوق، فيما لجأت السلطات في لندن إلى تغليف جسر «هامرسميث» بأغطية عاكسة للحرارة لحمايته من التمدد، وفي شيكاغو عام 2018، أدى تمدد الفولاذ بفعل حرارة الشمس إلى التصاق مفاصل جسر «دوسابل» حتى اضطر رجال الإطفاء إلى رشه بالمياه الباردة لفكّه.

يشير شينوسكي، إلى أن الجسور شديدة الحساسية للتغيرات الحرارية، وأن كلما زادت درجات الحرارة مقارنة بالمعدلات التاريخية زاد خطر تعرضها للأضرار.

600 ألف جسر

تتفاقم أزمة الجسور في الولايات المتحدة في وقت تعاني فيه البلاد بسبب شيخوخة بنيتها التحتية، فوفقاً لتقرير الجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين لعام 2025، تضمّ البلاد أكثر من 600 ألف جسر، نصفها تقريباً تجاوز العمر التصميمي البالغ 50 عاماً. ومع أن الصيانة الدورية قد تطيل عمر بعض الجسور إلى أكثر من 100 عام، إلا أن ما يقرب من ثلثها يحتاج إلى إصلاحات أو استبدال.

ويؤكد تقرير آخر صادر عن رابطة شركات الطرق والمواصلات الأمريكية أن العيوب الناتجة عن الحرارة تسرّع من تدهور المفاصل التمددية التي تربط أجزاء الجسور، مما يزيد الضغط على الهيكل العام ويرفع مخاطر التشقق والانبعاج.

ورغم أن هذه العيوب لا تعني انهياراً فورياً، فإنها تتطلب إصلاحاً عاجلاً لتجنب أضرار أكبر.

ومع تزايد موجات الحر الناتجة عن تغير المناخ، أصبحت هذه المشاكل عبئاً اقتصادياً متزايداً، خاصة وأن تمويل إصلاح الجسور يعاني فجوة تُقدر ب 373 مليار دولار خلال العقد المقبل.

وتؤدي أعطال الجسور أيضاً إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة. إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 4.9 مليار رحلة تتم عبر الجسور الأمريكية يومياً، ما يعني أن إغلاق أي جسر قد يسبب خسائر اقتصادية وتعطيل حركة التجارة والنقل.

وفي يونيو الماضي، تعطّل جسر متأرجح في ولاية «ساوث كارولينا» لساعات بسبب الحرارة، مما أعاق مرور السفن وأخّر جهود الإنقاذ في حادث بحري مميت، وهو ما يبرز أن الأعطال الناتجة عن الحرارة قد تحدث في أوقات حساسة للغاية.

مقطورة تسحب بالشاحنة

إن ابتكار سويون مهم، فيما يمثل فريقه ثورة في أساليب الفحص. والجهاز الذي ابتكروه عبارة عن مقطورة تُسحب بواسطة شاحنة صغيرة، ومزودة بمجموعة من المستشعرات وأجهزة الرادار والكاميرات.

وعند مرور الجهاز فوق الجسر، يرسل موجات ميكانيكية تنتشر داخل الخرسانة، فيما تلتقط أجهزة الاستشعار إشارات الاهتزاز الناتجة وتحدد مواقعها عبر نظام «جي بي إس». وفي الوقت نفسه، يستخدم الفريق رادارات لاختراق الأرض لتصوير الطبقات الداخلية للجسر، بينما توثق كاميرات «GoPro» حال سطحه. وتسمح هذه التقنية بجمع كم هائل من البيانات خلال وقت قصير، إذ استطاع الجهاز فحص جسر بطول خمسة أمتار في ثوانٍ معدودة، بينما تستغرق الطريقة التقليدية ساعات طويلة.

تشخيص طبي مبكر

يتم تحليل البيانات عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تساعد على تصفية الإشارات غير المرغوب فيها مثل اهتزازات السيارات المارة، لتحديد الشقوق والفراغات بدقة. ويرى «هام» أن هذا النهج يجعل عملية الفحص أشبه بالتشخيص الطبي المبكر، حيث يمكن للمهندسين التدخل قبل أن تتفاقم الأضرار وتصبح مكلفة أو خطيرة. ويؤكد أن الطرق التقليدية في الفحص ما زالت مرهقة وغير عملية، فهي تتطلب إغلاق مسارات المرور وتعريض المفتشين لمخاطر العمل بالقرب من السيارات، في حين تتيح التقنية الجديدة العمل بكفاءة وأمان أكبر.

المصدر : صحيفة الخليج