يقسم جون م. كولر في كتابه «الفلسفات الآسيوية»، ترجمة نصير فليح، هذه الفلسفات إلى تيارين رئيسيين: الأول يتعلق بجنوب آسيا، والثاني شرق آسيا، وقد ركز المؤلف على الأساسيات الأكثر أهمية في عمله، لا سيما ما هو جوهري ومتفق عليه، بغية إيصال فهم دقيق وفعال للقارئ، رغم التشعبات والتعقيدات الكثيرة.
ونجح في ذلك إلى حد كبير، فمن أبرز ما يلاحظه القارئ عمل المؤلف الدؤوب لتقديم الأفكار الجوهرية بأكثر الطرق وضوحاً واكتمالاً، ليس من خلال العرض الدقيق للأفكار فحسب، بل من خلال تناول الفكرة أو المفهوم من جوانب وزوايا متباينة، حتى إذا ما انتهى القارئ من قراءة ما يخص هذه الفكرة أو المفهوم أحس بأنه فهمها.
ما الأفكار الرئيسية التي كونت الثقافات الآسيوية؟ ما القيم التي أرشدت حياة الشعوب الآسيوية عبر آلاف الأعوام؟، كيف تناول المفكرون العظام في آسيا هذه الأفكار والقيم؟ هذا الكتاب يسعى إلى المساعدة للإجابة عن هذه الأسئلة، ليمكننا من فهم الفلسفات المبدئية للتقاليد الآسيوية العظيمة.
الأفكار والقيم البشرية الأساسية تنشأ من إجابات للأسئلة الأولية عن الوجود والحياة البشرية، وتظهر هذه الأسئلة في سياقات مختلفة، وتأخذ صوراً متباينة لمن يحيون في أزمنة وأمكنة مختلفة، والإجابات تتنوع طبقاً لذلك، لكن هذه الأسئلة التي تظهر أحياناً من التساؤل الفكري، وأحياناً من المعاناة البشرية والمساعي لتحسين شروط الوجود البشري، هي أسئلة يسعى كل إنسان إلى إجابتها، فهذه الأسئلة وإجاباتها هي التي تقدم الأفكار والقيم الأساسية المرشدة لتطور ثقافات كاملة، إضافة إلى حيوات الأشخاص الأفراد.
أسئلة
يرى المؤلف أنه عبر دراسة التقاليد الفلسفية العظيمة لآسيا، يمكننا فهم إجابات التقاليد المدروسة بعناية لهذه الأسئلة الفلسفية، التي تنشأ من التفكر في الخبرة، فمن خلال تجربة الحزن والأسى نسأل: ما المعاناة؟ وعبر المسرة واللذة نسأل: ما السعادة؟ من التفكر في الاختلافات بين خبرة اليقظة وخبرة الأحلام نسأل: ما الحقيقة؟ وعبر التفكر في المزاعم الخاطئة عن معرفة شيء ما نسأل: ما المعرفة؟.
الفلسفة الآسيوية في معظمها وبخلاف الكثير من الفلسفة الغربية الحديثة، لم تفصل الفكر عن التطبيق العملي، ونزعت إلى رؤية ما هو مفهومي وما هو روحي، باعتبارهما مرتبطين بشكل وثيق، الفكر الفلسفي الآسيوي كالغربي نقدي، ويشدد على الحجاج السليم، لكن الفلسفة الآسيوية تميل أيضاً إلى التشدد على التبصر في الواقع وفهمه كمرشد للحياة.
الاهتمام بالفلسفات الآسيوية في العالم عموماً، ولا سيما تأملات وتقنيات ضبط النفس (اليوجا) متزايد باطراد، نظراً لما تنطوي عليه هذه الفلسفات من رؤى عميقة، وتقنيات هذبها التاريخ، وطول الممارسة والدربة، سعياً وراء المزيد من الاتزان والتناغم مع محيط الإنسان وبيئته، وهذا ما أمسى حاجة أكثر إلحاحاً في عالم متسارع.
يوضح المؤلف أن الفلسفات الآسيوية والغربية متباينة بطرق مختلفة، ولذا ينبغي للقارئ الغربي أن يسعى إلى تفحص التقاليد الفلسفية الآسيوية في سياقاتها الخاصة، ومن حيث ميزاتها الخاصة، وهي غالباً لا تنسجم بإحكام مع المقولات العقلية، الغربية الحديثة، التي تنزع إلى فصل الفكر عن الممارسة والفلسفة عن الدين، وأحد التحديات الرئيسية، التي تواجه فهم الفكر الآسيوي هو رؤية مواضع اختلافه وتشابهه مع الفكر الغربي.
تمايزات
يسعى الكتاب إلى الإجابة عن التساؤلات الكبيرة حول الفلسفات الرئيسية، التي صاغت ثقافات الشعوب الآسيوية، وأرشدتها فكراً وعملاً على مدى العصور، ويسلط الضوء على حقيقة أن الفلسفات الآسيوية هي على نقيض الفلسفة الغربية الحديثة، لم تفصل الفكر التجريدي عن الممارسة العملية، ولا الفلسفة عن الدين، فيما تبقى مستندة إلى الحجاج المنطقي السليم، أيا تكن تبدياتها هندوسية أو بوذية أو كونفوشيوسية أو غيرها من التقاليد الفلسفية في جنوب آسيا وشرقها.
يتبين أن ثمة سياقات خاصة تميز قراءة الفكر الفلسفي الآسيوي، ينبغي للقارئ المهتم، أياً تكن ثقافته أن يستجلي أبعادها، والهدف من وضع هذا الكتاب هو تقديم المساعدة لتحقيق ذلك.
المصدر : صحيفة الخليج
