الشارقة: عثمان حسن
تعتمد التصاميم الهندسية في الفن الإسلامي على مبادئ رياضية دقيقة، تتبع قدرة ومهارة الفنان لتشكيل أنماط وتركيبات معقدة ومتشابكة، تتكرر فيها الأشكال من مثلثات ومضلعات مختلفة، وهذا يطول موضوع تصاميم السجاد والنسيج في الفنون الإسلامية، حيث تنطلق مهارات الفنانين خاصة المشاركين في مهرجان الفنون الإسلامية في دورته ال 26، في محاولة للجمع بين الوظيفة الجمالية والعملية لتلك التصاميم، مع التركيز على الأنماط الهندسية المعقدة، والزخارف النباتية المتشابكة، واستخدام مواد مثل الحرير والذهب، لتلبية احتياجات الحياة اليومية وإظهار الثراء الروحي والحضاري لهذه الفنون التي تعكس الهوية الإسلامية مثل تصاميم السجاد والمطرزات الفخمة.
لدينا تجربتان آسرتان في هذا المجال، أولاها للفنان الأمريكي ماثيو شليان من خلال عمله «ليس ظلاماً بل غياب للنور» الذي يمزج فيه بين الحرفة التقليدية والتقنية الحديثة من خلال براعته في هندسة تصاميم من الورق ليصنع منها منحوتات حركية، وبأشكال هندسية مختلفة.
أما التجربة الثانية فهي للإيرانية مايديه تفويزي، حيث تقدم عملاً بعنوان (قبل/ توقف/ بعد) وهي فتنت بهندسة تصاميم العمارة الإسلامية خاصة من خلال تصاميم السجاد، وترى من خلالها نوراً ساطعاً يغمر الآفاق، وينسجم مع فكرة شعار مهرجان الفنون الإسلامية «سراج».
في عمل ماثيو شليان (ليس ظلاماً، بل غياب للنور) لا بد من التوضيح أنه يقدم من خلال أعماله التي تتوزع بين الرسومات والمنشآت الفنية الضخمة أنه مغرم دائماً بهندسة تصاميم للورق، ليقدم تفسيرات ثانوية لهياكل طي الأوراق، تتجاوز المهارة العلمية نحو أفق أشمل يكون أساساً للإلهام الفني.
يقدم شليان في عمله هذا، نسقاً سلساً من التكوينات المتحركة نابضة بل ومذهلة أحياناً، فهو يستخدم الورق كوسيط، وخاصة الورق الخالي من الأحماض، في عمل إبداعي منطلقاً من فكرة الفضول على أشكال هندسية مختلفة، حيث يعتبر الورقة منحوتة تحتاج لرسم تخطيطي، أو نماذج جاهزة من القطع المطوية يفكك النماذج في مخيلته، ثم يعيد تجميعها مستلهماً ما استوعبه من أنماط الفن الإسلامي والرسم المنهجي، والهندسة المعمارية، والمحاكاة الحيوية، والموسيقى، وغيرها.
فهم العالم
ولدى ماثيو طريقة فريدة في فهم العالم، مما يساعده على رؤية أشياء غالباً ما يتم تجاهلها، وهو يرى أن فهم قطع الورق بالنسبة له، هو لغز يجب حله، ويحاول من خلال ذلك أن يرى ما يفهمه، وهنا، يقوم بتطبيق مطوياته الورقية مستلهماً ما سبق وفهمه من من دراساته العميقة في التصميم الهندسي الإسلامي الممتد عبر اثني عشر قرناً، وبعض هذه المطويات أو المنحوتات يستكشف من خلالها أثر الضوء والظلال في الفن الإسلامي، كما يستكشف اللون والمنحنى والمصادفة والحدس، وهو من خلال طي الورق يحرر الشكل من قيده الصارم عبر تمرّسه الدقيق في القواعد الهندسية ذاتها. وحين يتأمل المرء أعمال ماثيو يدرك أن ما يرى ليس كل ما هو كائن، بل إن الورق يطل بنا على مفاهيم أوسع، تتجاوز سطح المادة إلى فضاء لا متناهٍ من الاحتمالات.
طريقته في عمل طيات الورق، تنطلق من براعة هندسية حيث تشعل حركة واحدة من التصميم (الطي) سلسلة من الطيات، فتنتقل الطاقة من شكل إلى آخر، حتى تتجلى في بنى ثلاثية الأبعاد مدهشة.
تقاليد بصرية
تنطلق الفنانة الإيرانية تفويزي في عملها المشار إليه، من فكرة الهندسة والعمارة والضوء، وهي ثيمات موجودة في روح الفن الإسلامي، وهي ترى في التصاميم التي تنجزها خاصة في فنون السجاد التقليدي أن ثمة نوراً يظل عالقاً في الذاكرة، كحضور هادئ لا يُرى ولا يُنسى.
في صغرها فتنت الفنانة بمسجد الشيخ لطف الله خلال نشأتها في بلدها أصفهان، فظلت تصاميم العناصر الإسلامية في هذا المسجد عالقة في ذاكرتها، حيث قادتها هندسة ومعمار هذه العناصر وبخفة وحنان نحو القبلة.
لقد قادها الفضاء المعماري الإسلامي في المسجد لتبدع نسقاً فنياً يستكشف الهوية والذاكرة والحزن والتراث، ولدى الفنانة تفويزي براعة لافتة في المزج بين الزخارف الفارسية التقليدية (مثل نسيج زيلو) والتقنيات (مثل العجينة المصرية) مع الأساليب الحديثة كالطباعة ثلاثية الأبعاد، وغالباً ما تنشئ أعمالاً تركيبية ضخمة تدمج الخزف مع المنسوجات والعناصر المعمارية لتحاكي المنهج الحرفي التقليدي في التصميم، حيث يركز عملها على دمج المنسوجات والخيوط في أعمالها التركيبية، لمناقشة وكما أشرنا سابقاً موضوعات الهوية والانتماء، والذاكرة، والحزن، والتراث الثقافي، وأيضاً الجسد، والمكان، وغيرها.
وهي تجمع في عملها بين الأساليب القديمة والأساليب المعاصرة كالطباعة ثلاثية الأبعاد.
وتعنى مايديه تفويزي باستلهام العمارة الفارسية، والزخارف الإسلامية، والنسيج التقليدي، والنسيج العمراني لمدينتها أصفهان، ومن حيث التقنية التي تستخدمها فهي غالباً ما توظف الشقوق والدرزات والعيوب الموجودة في الصوف وذلك للتعبير عن الصدق والحالة الإنسانية، بدلاً من السعي إلى الكمال المصطنع.
المصدر : صحيفة الخليج
