إعداد: فوّاز الشعّار
لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسرَ فيها، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.
تفاعل الشعراء مع ظواهر الطبيعة، مدهش، كقول أبي الشغب العبسي:
دعاني الهوَى والشَّوْقُ لمَّا ترنَّمتْ
علَى الأيْكِ مِنْ بَيْنِ الغُصونِ طَروبُ
تُجاوِبُها وُرْقُ يُرعْنَ لِصَوْتِها
وكُلٌّ لِكُلٍّ مُسْعِدٌ ومُجيبُ
ألا يا حَمامَ الأيْكِ ما لَكَ باكياً
أفارَقْتَ إلْفاً أمْ جَفاكَ حَبيبُ
وقول ابن نهشل:
أُلامُ علَى فَيْضِ الدُّموعِ وإنَّني
بِفَيْضِ الدُّموعِ الجارياتِ جَديرُ
أَيَبْكي حَمامُ الأيْكِ مِنْ فَقْدِ إلْفِهِ
وأحْبِسُ دَمْعي إنَّني لَصبورُ
دُرَرُ النّظْمِ والنَّثْر
فؤادٌ بأقمارِ الأكِلَّة
محمود سامي البارودي
(بحر الطويل)
فؤادٌ بِأقْمارِ الأَكِلَّةِ مُولَعُ
وعَيْنٌ على إِثْرِ التَّفَرُّقِ تَدْمَعُ
أُحاوِلُ كِتْمانَ الهَوى فَتَشي بِهِ
غُروبٌ مِنَ العَيْنِ القَرِيحَةِ تَهْمَعُ
وما الحُبُّ إِلَّا نَفْثَةٌ بابلِيَّةٌ
يَكادُ الصَّفا مِنْ مَسِّها يَتَصَدَّعُ
خَلِيلَيَّ هَلْ بَعْدَ الصَّبابَةِ سَلْوَةٌ
وهَلْ لِشَبابٍ فاتَ بِالأَمْسِ مَرْجِعُ
أَبِيتُ أُمَنِّي النَّفْسَ طَوْراً فَتَرْعَوي
وأَتْلُو عَليْها اليَأْسَ طَوْراً فَتَجْزَعُ
وما ذِكْرُ رَيْعانِ الصِّبا غَيْرُ حَسْرَةٍ
تَذِلُّ لَها نَفْسُ العَزِيزِ وتَخْضَعُ
فلا رَحِمَ اللهُ المَشيبَ وعَصْرَهُ
وإِنْ كانَ فِي أَثْنائِهِ الحِلْمُ أَجْمَعُ
إِذا شابَ رَأْسُ المَرْءِ شابَ فؤادُهُ
ولَمْ يَبْقَ فِيهِ لِلْبَشاشَةِ مَوْضِعُ
وأَيُّ نَعيمٍ فِي مَشيبٍ وَراءهُ
هُمومٌ إِذا مَرَّتْ عَلى القَلْبِ يَفْزَعُ
زَمانٌ تَوَلَّى غَيْرَ أَعْقابِ ذُكْرَةٍ
إِذا خَطَرَتْ كادَتْ لَها النَّفْسُ تُنْزَعُ
من أسرار العربية
في تَرْتِيبِ أحْوَالِ الجَائِعِ:
على الرّيقِ: رَيِّق. جائِعٌ في الجَدْبِ: مَحِلٌ. مُتَجَوِّعٌ للدَّواءِ: وَحِشٌ وَمُتَوَحِّشٌ. جائعٌ مَعَ وُجودِ الحَرِّ: مَغْتومٌ. جائعٌ مَعَ وُجودِ البَرْدِ: خَرِصٌ. احْتاجَ إلى شَدِّ وَسَطِهِ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ: مُعَصَّب.
وفي تَرْتيبِ العَطَشِ: أوَّلُ مَرَاتِبِ الحاجَةِ إِلى شُرْبِ الماءِ: العَطَشُ. ثُمَّ الظَّمأُ. ثُمَّ الصَّدى. ثُمَّ الغُلَّةُ. ثمَّ اللُّهْبَةُ. ثُمَّ الهُيامُ. ثُمَّ الأُوامُ. ثُمَّ الجُوادُ، وَهُوَ القاتِلُ.
وفي تَقْسِيمِ الشَّهَواتِ: فُلاَن جائِعٌ إِلى الخُبْزِ. قَرِم إلى اللَّحْمِ. عَطْشانُ إلى الماءِ. عَيْمانُ إلى اللَّبَنِ. بَرِدٌ إلى التَّمْرِ. جَعِمٌ إلى الفَاكِهَةِ.
هفوة وتصويب
يقولُ بعضُهم: «كانتِ الأرضُ تتميّزُ بخُصوبَتها». والخطأ في «خُصوبة»، والصوّاب «تتميّز بِخِصْبِها». وقد خَصَبَتِ الأَرضُ، وخَصِبَتْ خِصْباً، فهي خَصِبةٌ، وأَخْصَبَتْ إِخْصاباً. والخِصْبُ: نَقِيضُ الجَدْبِ، وهو كَثْرةُ العُشْبِ، ورفَاغَةُ العَيْشِ أي سَعَتُهُ، والإِخْصابُ والاخْتِصابُ من ذلك. والكَمْأَةُ مِنَ الخِصْبِ.
ومكانٌ مُخْصِبٌ وخَصيبٌ، وأَرْضٌ خِصْبٌ. والخِصابُ: النّخْلُ الكثيرُ الحَمْل، الواحدة خَصْبَةٌ.
وقال الأعشى:
كأنَّ على أَنْسائِها عِذْقَ خَصْبَةٍ
تَدَلَّى من الكافورِ غَيْرَ مكمَّمِ
ويقولُ آخرون «فلانٌ ذو حِنْكةٍ ومعرفةٍ»، بِكَسْرِ الحاء، وهي خطأ، والصَّوابُ: «حُنْكةٍ» بضمّها. والحُنْكةُ السِّنّ والتّجْرِبَةُ والبَصَرُ بالأُمور.
من حكم العرب
يا شَيْبَتي دُومي ولا تترَحَّلي
وَتَيَقَّني أنِّي بوَصلِكِ مُولَعُ
قَدْ كُنْتُ أجْزَعُ مِنْ حُلولِكِ مَرَّةً
واليَوْمَ مِنْ خَوفِ التَّرحُّلِ أجْزَعُ
البَيْتان لأبي الفَتْح البُسْتي، يدعو فيهما إلى التّمَتُّع بمَراحِلِ العُمْرِ كلّها، فلِكُلّ منْها جَمالُها ومُتعَتُها، وهذه سُنّةُ الحَياةِ.
المصدر : صحيفة الخليج
