عبدالله إبراهيم: السرد .. ديوان العرب الحقيقي

عبدالله إبراهيم: السرد .. ديوان العرب الحقيقي

الشارقة – «الخليج»
استضاف النادي الثقافي العربي بالشارقة مساء الجمعة الباحث الدكتور عبد الله إبراهيم أستاذ الدراسات السردية في محاضرة بعنوان «الإرث السردي»، وأدار جلسة المحاضرة الدكتور صالح هويدي، وذلك بحضور الدكتور عمر عبد العزيز رئيس مجلس إدارة النادي ونخبة من الأدباء والمثقفين.
وفي تقديمه للمحاضر أوضح د. صالح هويدي أنه زامل د. عبد الله إبراهيم في جامعات العراق وليبيا، وعرف عنه دأبه وإخلاصه في البحث العلمي، وقد تخصص في الدراسات السردية والثقافية وهو عضو هيئات استشارية لعدد من مراكز البحوث والمجلات العلمية، وعرج د. هويدي على الجوائز الأدبية للدكتور عبد الله وإصداراته الأدبية  النقدية والفكرية.
استهل د. عبدالله إبراهيم محاضرته بالقول: «إن الظواهر الثقافية لا تعالج من دون مفاهيم نابعة منها، بين الظواهر ومفاهيمها علاقة تفاعل وتحاور، فكل منهما يعدل الآخر ويطوره، وأشد ما عاناه العرب في دراسة الظاهرة السردية هي إقحام مفاهيم غريبة عليها، ظلت بعيدة عن استكناه حقيقتها، وغير قادرة على تطويرها، فلم تؤثر أي منهما في الأخرى.
وأضاف:«إن كل بحث يبدأ بوسيلة ويطلب غاية ويصدر عن رؤية ويأخذ بمنهج، وبحث السردية العربية يتوخّى وسيلته وهي المفاهيم الأصيلة للسرد العربي وغايته استجلاء حقيقة هذه السردية انطلاقاً من رؤية تقول بخصوصيتها وجماليتها وامتلاكها لآليتها الخاصة».
وتابع د. إبراهيم:«بعد عقود من البحث في السردية العربية خلصت إلى أن مفهوم السرد العربي من إرث راسخ وواسع هو الذي حدد هذا المفهوم وأعطاه آلياته وأبعاده، وقد حددت الدلالة اللغوية الأولى أسس هذا المفهوم فالسرد في اللغة يعني: «نسج الكلام والإتقان في سبكه، ويعني أيضاً (تمام الصنعة)، كما قال تعالى في خطاب داود عليه السلام (وَقَدِّرْ فِي السرْدِ)، ومن هذا الجذر اللغوي ارتسمت الدلالة الاصطلاحية للسرد عند العرب، وهي: (الإجادة في سوق الأخبار وترتيب عناصرها، وجودة سبكها) فتكون بذلك قادرة على الإبلاغ، فحيث ما وجدت الأخبار المسبوكة فإنها تنتقى وتروى أما إذا خلت من جودة السبك فلا تروى ولا يعبأ بها».
ولاحظ د. عبد الله إبراهيم أن هذا المفهوم الأصيل للسرد العربي ركنّاه جانباً، واستبدلناه بمصطلحات أخرى غربية، في حين أن الثقافة العربية هي في حقيقتها ظاهرة سردية بامتياز، ويعتبر القرآن العظيم بما فيه حسن السبك وجودة النظم وبراعة الترتيب للأحداث والقصص نموذجاً فريداً للسرد، وكذلك الحديث النبوي، ومع توسع الثقافة العربية وتوسع مجالاتها ظهرت السرديات العربية الأخرى الكثيرة كالسِّيَر والمغازي وكتب التاريخ والجغرافيا وكتب الرحالة وكتب المجالس والأمالي وكتب الأدب، وغيرها، والناظر إلى تاريخ السرد العربي يمكن أن يقول إن السرد هو ديوان العرب وليس الشعر، فلم يكن الشعر إلا شيئاً هامشياً ضئيلاً إلى جانب المدونة السردية الكبرى التي تشكلت منها الثقافة العربية، وحتى قبل الإسلام كانت السردية الجاهلية قائمة على شكل قصص ومرويات وأحداث هي الوعاء الذي شكل ثقافة العرب آنذاك وعقائدهم ودياناتهم، وقد حارب الإسلام تلك السردية وقضى عليها، لأنها تحمل عقائد وثنية وعادات جاهلية لا تتماشى وتعاليم الإسلام التوحيدية والأخلاقية، ولذلك لم تصل إلينا تلك السردية، بينما وصل الشعر لأنه كان تعبيراً وجدانياً عن الذات والأحاسيس بإيقاع مؤثر.

المصدر : صحيفة الخليج