القاهرة – «الخليج»
يرى إدوارد بارينج في كتابه – «دريدا الشاب والفلسفة الفرنسية (1945 – 1968)» وقد ترجمته إلى العربية سحر توفيق، وصدر عن المركز القومي للترجمة – أن التاريخ الفكري لفرنسا في فترة ما بعد الحرب أشبه بحياة القرية، فمعظم المؤسسات الأكاديمية المهمة، حتى المقاهي التي دارت فيها المجادلات بين سارتر وكامو في نفس المربع الذي يقع على الضفة اليسرى لنهر السين.
لم تكن هذه القرية محدودة جغرافياً فقط، فالأسماء تتكرر بانتظام، باشلار وابنته، اثنان باسم ميرلوبونتي، زواج فيليب سورس من جوليا كريستيفا، زواج جاك لاكان من أرملة جورج باتاي، ابنة لاكان تزوجت من آلان ميلر الذي كرس الكثير من كتاباته لعالم التحليل النفسي لاكان، وكان بيير بورديو وميشيل سيريس وجاك دريدا أصدقاء مدرسة واحدة قبل أن يكونوا محاورين فلسفيين، ثم متنافسين.
كان الجميع يعرف الجميع، طوال حياتهم المهنية، كان المثقفون الفرنسيون يتواصلون مع بعضهم بعضاً، ويذهبون في إجازة معاً، ويحضرون الحفلات في منازل بعضهم بعضاً، ويتراسلون ويقرأون الكتب نفسها، وينشرون في المجلات نفسها، قبل أن تكون فرنسا جمهورية الآداب، كان المجتمع الفرنسي الفكري مجموعة اجتماعية، وكان البحث عن الروابط الفلسفية تبرره الروابط التاريخية الكثيفة والقوية التي تعيد صياغة النقاشات متعددة الجوانب، ليس باعتبارها اختلافات جوهرية، ولكن كمواجهات عاطفية بين المتقاربين فلسفياً واجتماعياً.
يوضح الكتاب أن المنظّرين الفرنسيين لم يكونوا جزءاً من المجتمع نفسه فحسب، بل شكلوا أيضاً ما يمكن تسميته بجيل واحد، ولد غالبية المفكرين الذين كان لهم تأثير كبير على الأوساط الأكاديمية الناطقة باللغة الإنجليزية في الوقت نفسه تقريباً، مع انتهاء اللحظات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية كان ميشيل فوكو في الثامنة عشرة، وجان بودريار في السادسة عشرة، وبيير بورديو وجاك دريدا في الخامسة عشرة، بينما كان جيل دولوز في العشرين.
انفجار وجودي
ظهروا جميعاً في الوعي الفلسفي في ذروة الانفجار الوجودي في الفلسفة والثقافة الفرنسية، كانت حركة فلسفية لا مثيل لها في قدرتها على اجتذاب الطلاب الشباب، واستهلت عصراً ذهبياً في التاريخ الفكري الفرنسي تصارع الفلاسفة حول ميراثه، وعلى الرغم من تصنيف هؤلاء المثقفين في كثير من الأحيان على أنهم ينتمون إلى ما بعد الحداثة، فإن عملهم كان انعكاساً للتيارات الاجتماعية والثقافية لعام 1968 وما بعده فقد تشكل هؤلاء المثقفون في البوتقة الفلسفية لربع القرن السابق.
يرى المؤلف أن جاك دريدا يُعد مثالاً على ذلك، حيث شارك في كل حركة فلسفية مهمة تقريباً في فرنسا بعد الحرب، عندما كانت الوجودية هي النظام السائد في ختام الحرب العالمية الثانية حيث انحاز دريدا للوقوف مع سارتر رغم أن هذا الانحياز لم يكن يخلو من بعض التحفظ، بعد ذلك بدأ تعليمه الفلسفي في أوائل سنوات العقد 1950 وعندما استكملت الوجودية مسارها، اعتنق النظرية المدرسية في التفكير المنهجي التي كانت سائدة في تلك الفترة، والتي كانت تقوم على إعادة قراءة متأنية لهوسرل وهايدجر، وهو ما كان علامة على طرد جماعي لسارتر من المشهد الأكاديمي الفرنسي.في وقت لاحق عندما بدأ دريدا ينشر مقالاته وكتبه الأولى ظهر اتجاه جديد يتحدى أسبقية الفلسفة، وفي الوقت ذاته جعلها ذات صلة بجمهور جديد وأوسع، كانت البنيوية من أولى الحركات الكبرى متعددة التخصصات في الفكر الفرنسي بعد الحرب، وقد أدت إلى جعل القراءات الفلسفية ذات قيمة للباحثين عبر العلوم الإنسانية والاجتماعية.
يوضح المؤلف أن مسار رحلة دريدا لا يمنحنا منظوراً جديداً لتاريخ الفلسفة الفرنسية فحسب، بل إنه يجذب الانتباه إلى المؤسسات الأكاديمية والمنظمات والممارسات الاجتماعية التي كانت مركزية في الحياة الفكرية الفرنسية، ذهب دريدا إلى أفضل المدارس، واجتاز الامتحانات المناسبة، ووجد وظائف في أرقى المؤسسات البحثية والتعليمية، تمنحنا حياته الموثقة جيداً وسائل لفهم ما يعنيه أن يكون المرء فيلسوفاً في فرنسا ما بعد الحرب، وكيف تشكلت المجتمعات الفكرية وكيف أثرت المؤسسات والهياكل التربوية في الحياة والفكر.
يظهر تعليم دريدا وتطوره الفلسفي حتى منشوراته الرئيسية لعام 1967 أنه كان نتاجاً للمجتمع الفكري الفرنسي الأوسع مثل كثيرين من أبناء جيله، لم يكن دريدا ربيب مدرسة أو حركة معينة لكنه تغذى على العديد منها: فقد ارتبط بالوجودية واعتمد على قوة الفينومينولوجيا وتعلم من صرامة البنيوية ورغم أن الدراسات الحديثة تميل إلى اعتباره غريباً، بناء على علاقته المشاكسة والمتوترة لاحقاً بالفلسفة السائدة فقد احتل حتى نهاية الستينيات على الأقل مؤسسياً وفكرياً موقعاً مركزياً في الحياة الفكرية الفرنسية.
يقول إدوارد بارينج مؤلف الكتاب: «عندما نقوم بتحليل أعمال دريدا في السنوات التي سبقت عام 1968 نجد أنها تكشف عن الأهمية البنيوية لمحورين من محاور الحياة الفكرية الفرنسية، محوران يوفران هيكلاً لسياق واسع النطاق للفكر الفرنسي في فترة ما بعد الحرب، يوضح هذان المحوران لماذا يمكن أن يكون للعمل الفلسفي المجرد قيمة للأسئلة السياسية الأكثر إلحاحاً، كما يوفران إطاراً لتحليل الكيفية التي يمكن بها أن تأخذ الخلافات الفلسفية أشكالاً من الصراعات أو المفاوضات السياسية».
كتاب
هذا الكتاب هو أول دراسة أرشيفية مفصلة وقائمة على القرائن والسياقات المعاصرة لفلسفة دريدا وقد يعتبر العديد من المعلقين منهجه ذاته بمنزلة خيانة لأفكاره، فهم يرون أن التاريخ في افتراضاته ومنهجيته، ينحاز إلى نحو أصيل ضد التفكيك وعلى حد تعبير أحد النقاد «رفض دريدا أن يصبح جزءاً من التاريخ» علاوة على ذلك وبسبب كتابات دريدا النقدية عن الأرشيفات ابتعد العلماء عن أوراقه المحفوظة بعناية والواقع أن هذا العداء المفترض بين التاريخ والتفكيك يفسر لماذا على مدى ثلث قرن بعد ظهور الكتب الأولى عن أعماله لم ولا محاولة جادة لعمل دراسة سياقية تاريخية عنه.
المصدر : صحيفة الخليج
