رغم الكثير من التفاصيل التي تضمنتها الرواية الأمريكية عن الاعتقال الدرامي للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة نومه المحصنة داخل أكبر قاعدة عسكرية في كاراكاس، فإن العديد من الأسئلة والغموض مازال يحيط العملية التي أُطلق عليها «العزم المطلق»، ومن بينها الكيفية التي جعلت الرئيس دونالد ترامب يضع مادورو على قائمة أولوياته، وأسباب لجوئه أخيراً إلى الخطة «ب»، ثم المجازفة بتنفيذها رغم ما يحيط بها من مخاطر ربما شكلت كارثة لإدارته في حال فشلها.
ـ وضعت الإدارة الأمريكية سيناريوهين للإطاحة بمادورو، تمثل أولهما في اللجوء إلى الطرق الدبلوماسية، وثانيهما في شن العملية العسكرية، حيث سعى ترامب إلى دفعه إلى التنحي ومغادرة فنزويلا طوعاً، وأجرى عدة اتصالات به، وكان آخرها قبل أيام من العملية، والذي اعتبر بمنزلة إنذار أخير، وعرض ترامب خلاله علي مادورو الخروج الآمن إلى منفى في تركيا، لكن الرئيس الفنزويلي رفض العرض وأبدى مرونة بشأن التفاوض.
ـ الرقصة الأخيرة والتحذير النهائي
ـ عقب اتصالات ترامب وتحذيراته، ظهر مادورو في عدة فعاليات يؤدي رقصات ويتحدى شن حرب ضده، وهو ما اعتبره صقور الإدارة الأمريكية استخفافاً بالرئيس الأمريكي، وخصوصاً أكبر مؤيدين لشن العملية العسكرية وهما وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب رئيس الأركان ستيفن ميلر الذي طالب على مدار أشهر بتكثيف الوجود العسكري الأمريكي في البحر الكاريبي.
ـ رغم مسار الحلول الدبلوماسية، فإن قوات دلتا الأمريكية كانت تتدرب منذ عدة أشهر على اقتحام مقر مادورو المحصن في قاعدة فورتي تونا، أكبر مجمع عسكري في كاركاس، بناء على مراقبة شديدة الدقة من فريق مخابراتي أمريكي على الأرض، وبالتعاون مع عنصر داخل الدائرة المقربة للرئيس الفنزويلي، لدرجة أنه تم التدريب عدة مرات على طريقة تفجير وتقطيع الباب الفولاذي لغرفة شديدة التحصين، واصطحبت القوات معها الأدوات اللازمة، لكن عند تنفيذ العملية، وبحسب ترامب الذي كان يشاهد الحدث بكاميرات الجنود، وقت وقوعه، فإن الرئيس الفنزويلي فشل في غلق باب الغرفة ثم استسلم وزوجته للقوات الأمريكية.
من قطع الكهرباء عن كاراكاس؟
ـ مع تحرك نحو 150 طائرة أمريكية بينها مقاتلات شبح ومسيرات وطائرات استطلاع، وعبر عملية سيبرانية فائقة، تمكنت الأجهزة المخابراتية الأمريكية من قطع الكهرباء عن أجزاء واسعة من العاصمة الفنزويلية، ما سهل أداء القوات المهاجمة، حيث انطلقت الطائرات من نحو عشرين موقعاً مختلفاً، وتمكنت من ضرب عدة أهداف حيوية ومن بينها مواقع رصد وإشارة ودفاعات جوية ومطارات.
«مشاهد أكشن ممتعة»
ـ كان الأمر بالنسبة لترامب ومرافقيه الذين تجمعوا في غرفة معزولة بستائر في منتجع مار إيه لاغو حول شاشات تم إعدادها لمشاهدة العملية وقت حدوثها، أشبه بمتابعة برنامج تلفزيوني شيق، حيث استمع إلى جنود قوة دلتا المدربين تدريباً عالياً وهم يندفعون إلى منزل مادورو، عندما كان نائماً إلى جوار زوجته، وعبر ترامب لاحقاً عن دهشته من سرعة وقوة التنفيذ خصوصاً عندما تم اعتقال مادورو بسرعة أثناء محاولته الفرار إلى غرفته الآمنة المحصنة بالفولاذ.
ـ لم يُبدِ ترامب، الذي كان يقضي إجازة طويلة في جنوب فلوريدا، أي مؤشر يُذكر على أنه كان يُخطط لأحد أهم القرارات في أي من فترتي رئاسته، بل استمر في روتينه المعتاد: أيام في ملعب الغولف، وعشاء على شرفة منتجع مارالاغو، واستضافة حفل رأس السنة الذي تضمن عرضاً موسيقياً، وفي الساعات التي سبقت إعطاءه الموافقة النهائية، اجتمع في ناديه للجولف مع نائبه جيه دي فانس لمناقشة الضربات، لكن فانس عاد إلى منزله في سينسيناتي بعد بدء العملية.
ـ أزمة موكب فانس
ـ مع بدء موكب فانس في التحرك، مغادراً منتجع ترامب، أبدى فريق الأمن القومي للرئيس الأمريكي قلقاً من أن تحرك موكب سيارات نائب الرئيس في وقت متأخر من الليل أثناء بدء العملية قد ينذر الفنزويليين، وهو ما لم يحدث تقريباً.
ـ إمعاناً في نجاح العملية، وحتى لا تلفت الإدارة الأمريكية أنظار كاركاس، حرص ترامب، على اتباع روتينه المعتاد خلال عطلته الطويلة في منتجعه، ففي تمام الساعة 10:46 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وبعد جولة تسوق لشراء الرخام والعقيق وتناول العشاء في فناء منتجع مارالاغو، أعطى الرئيس الضوء الأخضر النهائي، قائلاً لمجموعة مسؤولي الأمن القومي في الغرفة: «حظاً سعيداً، ونسأل الله التوفيق».
ـ بمساعدة العنصر الاستخباراتي المهم قرب مادورو تمكنت واشنطن بحسب الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، من اكتشاف «كيف كان مادورو يتحرك، وأين كان يعيش، وأين كان يسافر، وماذا كان يأكل، وماذا كان يرتدي، وما هي حيواناته الأليفة». وهو ما عززه فريق استخباراتي أمريكي عالي الاحترافية كان يعمل داخل فنزويلا لفترة طويلة.
لماذا تم اعتقال زوجة مادورو؟
ـ كان من اللافت اعتقال زوجة مادورو، والتي لم يكن اسمها في لائحة الاتهام الأولى لزوجها حتى بعد زيادة قيمة جائزة القبض عليه إلى 50 مليون دولار، ولكن جرى تعديل اللائحة قبل فترة وتم تضمين اسمها، وكذلك ابنهما، واثنان من كبار المسؤولين الفنزويليين، وزعيم لجماعة «ترين دي أراغوا»، وهي عصابة صنفتها إدارة ترامب منظمة إرهابية العام الماضي.
وجاء في لائحة الاتهام أن مادورو وحلفاءه عملوا لعقود مع جماعات تهريب المخدرات الكبرى لنقل كميات من الكوكايين إلى الولايات المتحدة. لكن الخبراء قالوا: إن فنزويلا ليست منتجاً رئيسياً للمخدرات ووصفوها بأنها دولة عبور ثانوية للكوكايين، حيث إن معظم ما يتم إنتاجه يمر عبرها وغالباً إلى أوروبا وليس إلى أمريكا.
هل فنزويلا ضالعة في تهريب الكوكايين؟
ـ تشير بيانات من كولومبيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى أن غالبية الكوكايين المتجه إلى الولايات المتحدة لا يمر عبر منطقة البحر الكاريبي، بل عبر المحيط الهادئ. ولا تملك فنزويلا ساحلاً على المحيط الهادئ. وبينما تشير لائحة الاتهام إلى أن فنزويلا كانت تصدّر ما بين 200 و250 طناً من الكوكايين سنوياً بحلول عام 2020، فإن هذا لا يمثل سوى ما بين 10% و13% من تجارة الكوكايين العالمية. وتلعب دول أخرى دوراً أكبر بكثير. ففي عام 2018، مرّ 1400 طن عبر غواتيمالا، وفقاً لبيانات أمريكية.
لماذا فضل ترامب نائبة مادورو على صاحبة نوبل؟
ـ قبل أسابيع، كان المسؤولون الأمريكيون قد استقروا بالفعل على مرشح مقبول ليحل محل مادورو، على الأقل في الوقت الحالي، وهي نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، التي أبهرت مسؤولي ترامب بإدارتها لصناعة النفط الحيوية في فنزويلا. وقال الأشخاص المشاركون في المناقشات: إن الوسطاء أقنعوا الإدارة بأنها ستحمي وتدعم استثمارات الطاقة الأمريكية المستقبلية في البلاد.
ـ لكن زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي قادت حملة رئاسية ناجحة عام 2024، وحصلت بفضلها على جائزة نوبل للسلام هذا العام، لم تكن على علاقة ودودة بترامب، حتى منذ إعادة انتخابه بذلت قصارى جهدها لإرضائه، واصفةً إياه بـ«بطل الحرية»، بل وأهدت جائزة نوبل التي فازت بها إليه، لكن ذلك كان عبثاً على ما يبدو إذ قال ترامب إنه سيقبل رودريغيز، معتبراً أن ماتشادو «امرأة لطيفة جداً» لكنها «لا تحظى بالدعم» الكافي في فنزويلا لتولي القيادة.
ـ إذا سارت الخطة الأمريكية المستقبلية، فإن نائبة الرئيس البالغة من العمر 56 عاماً، ستصل إلى منصب الزعيمة المؤقتة لفنزويلا بمؤهلات خبيرة في حل المشكلات الاقتصادية، حيث قامت بتنظيم تحول البلاد من الاشتراكية إلى الرأسمالية، وربما تغير قناعتها التي أدلت بها عقب اعتقال مادورو رافضة العملية، خصوصاً تحت الضغط الأمريكي الذي فرض شبه وصاية لإدارة البلاد.
ـ تعد ديلسي رودريغيز ابنة مقاتل ماركسي اشتهر باختطاف رجل أعمال أمريكي، وتلقت جزءاً من تعليمها في فرنسا، حيث تخصصت في قانون العمل. وشغلت مناصب حكومية متوسطة في حكومة سلف مادورو، هوغو تشافيز، قبل أن تتم ترقيتها إلى أدوار أكبر بمساعدة شقيقها الأكبر خورخي رودريغيز، الذي أصبح في النهاية كبير الاستراتيجيين السياسيين لمادورو.
المصدر : صحيفة الخليج
