بعد عملية فنزويلا.. ترامب يُحيي «عقيدة مونرو» واستراتيجية القبضة القوية

بعد عملية فنزويلا.. ترامب يُحيي «عقيدة مونرو» واستراتيجية القبضة القوية

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نجاح عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإحضاره إلى نيويورك، قال إن الولايات المتحدة «لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن»، في إشارة إلى الرئيس الخامس للولايات المتحدة، جيمس مونرو، الداعي إلى الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي.

ما هي عقيدة مونرو؟

تعود التسمية إلى الرئيس الأمريكي جيمس مونرو (1817-1825) الذي كان قد تبنّى سياسة معارضة للاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الأرضية الغربي. في رسالته السنوية التي وجهها إلى الكونغرس في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 1823، حيث تحدّث عن مبادئ رئيسية، تمثلت أشهرها في أن «أي محاولة تقوم بها دولة أوروبية للسيطرة على أي دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي أو قمعها سينظر إليها على أنها عمل عدائي ضد الولايات المتحدة». وقال مونرو في إعلانه إن «العالم القديم» و«العالم الجديد» لهما نظم مختلفة ويجب أن يظلا محيطين منفصلين.
وكانت غالبية بلدان أمريكا اللاتينية قد نالت بالفعل آنذاك استقلالها عن إسبانيا أو البرتغال، كما اعترفت أمريكا بخمس جمهوريات جديدة هي الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو. لكن الولايات المتحدة كانت تخشى أن تحاول القوى الأوروبية إعادة استعمار دول المنطقة. كما كانت متخوفة من تطلعات روسيا التوسعية في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية، لا سيما بعد أن تمكن القيصر الروسي ألكسندر الأول من بسط هيمنته على مناطق شمال غرب المحيط الأطلسي (في ألاسكا بالأساس)، ومنع السفن الأجنبية من الاقتراب من ذلك الساحل في عام 1821.
وبحسب المراجع التاريخية، فإن بريطانيا كانت تشارك أمريكا في تلك المخاوف، وأن وزير الخارجية البريطاني آنذاك جورج كانينغ اقترح إعلاناً أمريكياً-بريطانياً مشتركاً يحظر أي استعمار مستقبلي لأمريكا اللاتينية. لكن وزير الخارجية الأمريكي جون كوينسي أدامز أقنع مونرو بإصدار إعلان أحادي، حيث نبّه إلى أن الإعلان المشترك ربما يقلل فرص الولايات المتحدة التوسعية في المستقبل، وأن بريطانيا ربما كانت لها طموحات إمبريالية خاصة بها.
وبالنظر إلى وضع الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة، حيث لم ينظر إليها وقتها كقوة عظمى، فإن «عقيدة مونرو» لم تجد صدى خارج أمريكا، لكن في حين أن جيمس مونرو قال إن نصف الكرة الأرضية الغربي لم يعد متاحاً للاستعمار الأوروبي، أضاف الرئيس جيمس كي بولك (1845-1849) إلى ذلك بنداً مفاده أنه لا ينبغي للدول الأوروبية أن تتدخل في أي توسعات محتملة للولايات المتحدة.

تهديد روزفلت والشرطة الدولية

وفي عام 1904، تحدّث الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت عن حق الولايات المتحدة في التدخل لمواجهة الدول الأوروبية الدائنة التي هددت بالتدخل العسكري لتحصيل ديونها من بلدان في أمريكا اللاتينية. ثم قال في رسالته إلى الكونغرس في العام نفسه إن «الممارسات الخاطئة المتكررة.. ربما تستوجب في نهاية المطاف تدخل دولة متحضرة في نصف الكرة الأرضية الغربي»، مضيفاً أن «التزام الولايات المتحدة بعقيدة مونرو ربما يضطرها أن تقوم – على مضض – بدور الشرطة الدولية في الحالات السافرة التي تحدث فيها مثل هذه الممارسات».
عرف ذلك بـ«لازمة روزفلت» وسياسة «العصا الغليظة»، والتي كانت تعني امتلاك القوة العسكرية والاستعداد لاستخدامها لفرض الهيمنة الأمريكية. ويرى كثير من المؤرخين أن هذه «اللازمة» كانت امتداداً لعقيدة مونرو، والتي سرعان ما استخدمها روزفلت لتبرير التدخل العسكري الأمريكي في بلدان تقع في منطقتي أمريكا الوسطى والكاريبي، بما فيها نيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان وهايتي وكوبا.
ووفقاً لدائرة المعارف البريطانية، حاولت الولايات المتحدة منذ ثلاثينات القرن الماضي صياغة سياساتها الخارجية المتعلقة بأمريكا اللاتينية بالتشاور مع دول تلك المنطقة، ومع منظمة الدول الأمريكية. وسعى بعض الرؤساء الأمريكيين الذين خلفوا ثيودور روزفلت إلى اتباع تفسيرات أقل حدة لعقيدة مونرو، بمن فيهم الرئيس فرانكلين روزفلت (1933-1945) الذي استبدل بدبلوماسية العصا الغليظة دبلوماسية حسن الجوار. ورغم ذلك، فإن الولايات المتحدة برأي كثير من المختصين بالشأن الأمريكي، واصلت استخدام عقيدة مونرو لتبرير تدخلها في شؤون جيرانها الجنوبيين.

أزمة الصواريخ الكوبية

في عام 1962، استحضر الرئيس جون كينيدي (1961-1963) عقيدة مونرو عندما فرض حصاراً بحرياً وجوياً على دولة كوبا بعدما بدأ الاتحاد السوفييتي في إنشاء منصات لإطلاق الصواريخ هناك (على بعد نحو 90 ميلاً فقط من السواحل الأمريكية)، في إشارة إلى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية لتحييد ما اعتبرته تهديداً لأمنها القومي.
ظل الموقف متأزماً بين القوتين العظميين على مدى نحو 13 يوماً، وسادت حالة من الخوف من اندلاع حرب نووية بين الجانبين. لكن جُنّب العالم تلك الكارثة بعد عرض الزعيم السوفييتي نيكيتا خورتشوف إزالة الصواريخ من كوبا مقابل تعهد واشنطن بعدم غزو البلاد، كما تبيّن فيما بعد أن كينيدي وافق أيضاً على إزالة عدة قواعد جوية وصاروخية أمريكية من تركيا.
في خطاب حالة الاتحاد الذي أدلى به رونالد ريغان عام 1985، أعطى الرئيس الأمريكي تفسيره الخاص لعقيدة مونرو عندما أعلن الخطوط العريضة لسياسته الخارجية الرامية إلى مكافحة الشيوعية، والتي أُطلق عليها اسم «عقيدة ريغان». وانطلاقاً من تلك العقيدة، دعمت واشنطن حركة «كونترا» بغية الإطاحة بحكومة «ساندينيستا» الاشتراكية في نيكاراغوا، وقدّمت معونات عسكرية لمحاولة مساعدة أفغانستان على التخلص من الاحتلال السوفييتي.

ما بعد الحرب الباردة

وعقب انتهاء الحرب الباردة، ومع بدء القرن الحادي والعشرين، قللت واشنطن من تدخلاتها العسكرية في أمريكا اللاتينية، ولكنها احتفظت بنفوذ كبير في نصف الكرة الأرضية الغربي. وفي خطاب ألقاه أمام منظمة الدول الأمريكية عام 2013، أعلن جون كيري وزير الخارجية في إدارة الرئيس باراك أوباما «انتهاء حقبة عقيدة مونرو»، في ما اعتبر تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية.
لكن عادت العقيدة إلى الواجهة مرة أخرى مع تغير الإدارة الأمريكية. ففي عام 2018، امتدح ريكس تيلرسون، وزير الخارجية في إدارة الرئيس ترامب الأولى، عقيدة مونرو خلال زيارة قام بها إلى المكسيك، كما أعلن مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون، أن العقيدة «على قيد الحياة وبخير»، في خطاب هدد فيه بالإطاحة بما وصفه بالديكتاتورية في كل من فنزويلا وكوبا.
وفي عام 2019، قال الرئيس ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: «السياسة الرسمية لبلادنا منذ الرئيس مونرو تنص على رفضِنا تدخُّلَ الدول الأجنبية في هذا النصف من الكرة الأرضية»، وهو ما اعتُبر تحذيراً لروسيا والصين من التدخل في ما تعتبره الولايات المتحدة فناءها الخلفي، لا سيما فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا التي وصفها ترامب بـ«ترويكا الاستبداد».

المصدر : صحيفة الخليج