مكتبة «شكسبيرأند كومباني».. عمر من الورق

مكتبة «شكسبيرأند كومباني».. عمر من الورق

يعود تاريخ «مكتبة شكسبير أند كومباني» في باريس إلى أكثر من مئة عام، فقد أنشأت سيلفيا بيتش المكتبة أواخر العام 1919، وكانت بمثابة ملتقى أدبي يضم أبرز الكتاب، همينغواي وجيمس جويس وغيرهما، وتميزت المكتبة بنشاطاتها وحلقاتها الثقافية، وبسماحها للكتاب الذين لا يملكون مسكناً، أن يقيموا فيها ويناموا في طابقها الأخير، بشرط أن يساعدوا في أعمال البيع والتنظيم والتنظيف.
مع دخول الألمان إلى فرنسا في الحرب العالمية الثانية واحتلالهم باريس، تم إغلاق المكتبة عام 1941 وبعد عشر سنوات، عادت لتفتح أبوابها، إنما هذه المرة مع الأمريكي جورج ويتمان، والذي أعاد إليها مكانتها فتوافد عليها المثقفون في النصف الثاني من القرن العشرين وأبرزهم أنايس نين، وريتشارد رايت؛ حتى أن هنري ميلر لقب المكتبة بـ «أرض الكتب العجيبة».
أراد جورج ويتمان للمكتبة أن تكون لبيع الكتب، وفي الوقت نفسه مكتبة عامة لمن يريد أن يقرأ، وبالتالي من هو بحاجة إلى الجلوس طويلاً، أما من لديه موهبة موسيقية فيستطيع أن يعزف كما يشاء على البيانو، ويستمع له من أراد ويتجاهله أيضاً من يشاء ولا يزال شعارها: «أعط ما تستطيع.. خذ ما تحتاج إليه»، النوم مجاناً مقابل القراءة المجانية والعمل بين الكتب.
نشرت المكتبة كتاباً يؤرخ لمختلف العقود التي عاينتها، ويحتوي على صور ومذكرات ورسائل تناقلها الكتاب والمثقفون والأدباء والفنانون في الفترة الممتدة من عام 1919 حتى يومنا هذا وتظهر المكتبة في عدد من الأفلام المصورة في باريس وفي مسلسلات تلفزيونية وفي عدد من الروايات، وفي نصوص أدبية وفي مذكرات عدد هائل من الكتاب، لتتحول إلى معلم ثقافي في باريس.
سيلفيا بيتش أصدرت هذا الكتاب وعنوانه «مكتبة شكسبير الباريسية» (والذي ترجمه مؤخراً عبد الوهاب سليمان وصدر عن دار جدل) وكتبت خلال صفحاته قصة نجاح المكتبة التي ذاع صيتها في أنحاء أوروبا وأمريكا بعد مسيرة مرهقة، كانت البدايات متواضعة – كما تصفها سيلفيا – امتلأت بالعشوائيات مهملة التنظيم، على عكس ما كانت عليه المكتبات الأخرى، إلى حد احتمله المنافسون من المكتبات ودور النشر بهذا الشكل التقليدي والمتواضع في عدد الكتب على الرفوف لمكتبة شكسبير بأنها مجرد ظهور سرعان ما يختفي، وأنها لا تمتلك النفس الطويل للبقاء، «حيث لا إمكانيات كافية للاستمرار، والوصول إلى قمة سيشهدها التاريخ في شارع ضيق».

مشروع

كتبت سيلفيا إلى والدتها: «أنا بحاجة إلى الأموال سأفتتح مكتبة»، من هنا حاولت الاقتراض لإقامة مشروع ثقافي كبير وتوفير ما يحتاج إليه القارئ واستقطاب أكبر عدد ممكن منهم لتكون المكتبة منارة ثقافية كانت تحلم ببنائها.
في هذا الكتاب تقدم سيلفيا بيتش مذكراتها في صناعة النجاح، وكيف بدأت مستعرضة لنا العقبات التي واجهتها، كما سردت قصتها مع الزوار من القراء والكتاب، وبعض الناشرين، الذين أسهموا بشكل كبير في إنجاح المكتبة، كما نقلت لنا تجربتها في عالم النشر، وكانت هذه التجربة قفزة نوعية في سيرة المكتبة، خاصة أنها لم تعمل على نشر الكثير من الكتب، لكن كان اهتمامها الأكبر طباعة نشر عمل جيمس جويس الشهير «عوليس».
لم تكن المكتبة كما أسلفنا مجرد مكتبة لبيع الكتب بل أصبحت محطة للقراءة والاستعارة حيث ابتدأت بفكرة الاستعارة قبل أن تصنع فهرساً خاصاً بها، ومع مرور الوقت تحولت إلى مزار ثقافي، ووجهة رئيسية للكتاب والنقاد، حيث تكون الاجتماعات واللقاءات، كانت المكتبة بالنسبة إليهم مصنعاً لتلاقح الثقافات.

عضو لامع

يحتل جيمس جويس مساحة كبيرة من الكتاب وقد التقت بيتش به في صيف عام 1920 بعد عام من افتتاح المكتبة، وكان للتو قد وصل إلى باريس بعد اقتراح من إزرا باوند وأثناء الحديث مع جويس سمع نباح كلب فشحب لونه وارتجف، وسأل باضطراب: «أهو آت أهو شرس؟ وبقي متخوفاً ومرتاعاً مع كل نبحة، حتى أكدت له أنه لن يأتي للداخل وأخبرها بأنه يخاف الكلاب منذ سن الخامسة، حين عضه كلب في ذقنه مشيراً إلى لحيته الصغيرة قائلاً إنه تركها تنمو لإخفاء الندبة».
تقول بيتش: «استمررنا بالحديث كان سلوك جويس في منتهى البساطة إلى درجة أنني نسيت أنني في حضرة أعظم كاتب في عصري، وشعرت بالارتياح معه، كنت واعية تماماً بعبقريته في هذا اللقاء الأول وما تلاه من لقاءات وأنه لا يمكنني التحدث مع أحد بالسهولة التي أتحدثها معه».
في اليوم التالي كان معها في المكتبة، وأصبح فرداً من عائلة شكسبير أند كومباني، وعضوها الألمع والتقى بعدد من الكتاب الشباب الذين أصبحوا أصدقاء له، منهم هيمنغواي وماكليش وفيتزجيرالد، وكان جويس بالنسبة لهم بمثابة الإله، وكان سلوكهم معه نابعاً من صداقة أكثر من كونه تبجيلاً.
كان جويس يعامل الناس بوصفهم نظراء له، وكان هو يسير بعكازه ووصفته زوجته بـ«الرجل الذي لا يجيد شيئاً»، لم تكن نورا زوجته على علاقة جيدة بالكتب، وهذا ما أعجب زوجها وقد صرحت لبيتش بأنها لم تقرأ «صفحة من ذلك الكتاب» مشيرة إلى روايته الأشهر «عوليس» لا شيء كان يحثها على فتح الكتاب، واعتادت أن تقول إنها نادمة على عدم الارتباط بمزارع أو مصرفي أو حتى بتاجر ملا بس مهترئة، بدلاً من الارتباط بكاتب، قالت ذلك لبيتش وهي تقلب شفتيها بازدراء.
اتفقت بيتش مع جويس على طباعة «عوليس» وأصدرت نشرة إعلانية تنوه بنشر الرواية «كاملة كما كتبت» وذلك في خريف عام 1921 وذكر الإعلان أن الطبعة ستكون محدودة ألف نسخة، وبدأت تنهال طلبات المشتركين لنسخ من الرواية، وكان أندريه جيد أول من أسرع إلى المكتبة لتعبئة ورقة الاشتراك.

المصدر : صحيفة الخليج

وسوم: