هو دوحة الشعر وواحة الأدب، ذلك مهرجان الشارقة للشعر العربي، الذي يقام سنوياً تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وتنظيم بيت الشعر في دائرة الثقافة، وبات من أهم المنصات المعنية بالقصيدة العربية بأشكالها الحديثة والقديمة، فبالإضافة إلى الاهتمام الكبيرة الذي تجده هذه المنصة المتوهجة بعبق القصيد، فهي تحظى كذلك بمشاركة واسعة من الشعراء العرب ومن دول أخرى، فضلاً عن الجمهور الذي يتابع هذا الحدث بالحضور المباشر في قصر الثقافة وبقية مدن الشارقة أو عبر المنصات الرقمية التي تبث الأمسيات والأصبوحات والمنتديات الفكرية والنقدية.
أصبح المهرجان اليوم واحداً من أرسخ المنصات الشعرية العربية، بل وربما العالمية، بانعقاد دورته ال22، ولذلك التوهج والألق بداية كانت لحظتها الأولى في العام 1997، وهو تاريخ التأسيس الأول الذي أعلن أن سارية«ديوان العرب»، ستظل باقية ملتصقة بالوجدان العربي ومعبرة عن التاريخ والانتماء والهوية، فالشعر بالنسبة للعرب ليس مجرد فن أو إبداع، بل أسلوب حياة وطريقة عيش وثقافة تضرب جذورها عميقاً في تراث الأمة، وربما لا يكتمل الحديث عن ذلك التاريخ والتراث إلا بذكر أكبر محطاته وومضاته الأكثر إشراقاً ألا وهو الشعر وسيرة الشعراء، وذلك هو الألق الجمالي الذي يعبر عنه بجدارة «الشارقة للشعر العربي»، الذي استوعب الماضي والحاضر ويبحث في كيفية المستقبل من خلال الانفتاح على المعاصرة عبر استصحاب ذلك الإرث الحضاري العظيم.
رؤية
يعبر«الشارقة للشعر العربي»، ومنذ انطلاقته عن رؤية وفكرة، ولم يكن مجرد تجمع للشعراء، رغم أهمية ذلك في وقت عزّ فيه مثل هذا التجمع الذي أصبح أمراً نادراً، إذ انحسرت الكثير من المنصات والمهرجانات الشعرية لظروف مختلفة تخص البلدان العربية التي عرفت بالاهتمام بالأدب والشعر العربي، لكن بقيت الشارقة منارة للقصيد من ضمن أنشطة مشروعها الثقافي، والشعر أبرز معالم هذا المشروع إلى جانب الاهتمام باللغة العربية، حيث لا فكاك بينهما، فالرعاية والعناية باللغة تتطلب كذلك وبصورة أساسية الاهتمام بالشعر وتطوره، وربما ذلك من أهم العوامل التي جعلت هذا المهرجان متطوراً، ويتضح ذلك الأمر من خلال دوراته المتعاقبة، ومن واقع المشاركة القوية من قبل شعراء الدول العربية وغير العربية.
كسر النمطية
هناك جملة من العوامل التي جعلت هذه المنصة متفردة في عطائها ومبادراتها وأطروحاتها التي تصب في مصلحة استمرار راية الشعر وتطويرها، فالمهرجان استفاد من تجارب المنصات العربية الأخرى وعمل بصورة دؤوبة على كسر نمطية المهرجانات والفعاليات الشعرية التي ظلت تتجاهل حقيقة الاتجاهات الشعرية الحديثة، فقد حطم المهرجان الحواجز النمطية لتلقي الشعر، وأكثر من ذلك فقد اهتم بالتيارات الشعرية الجديدة، إلى جانب التجارب القديمة، وصار يحتفي بأجيال الشعر من الشباب والمخضرمين على حد سواء، من خلال تكريمهم والاحتفاء بهم، وعمل المهرجان على التأكيد على ذلك الأمر ليس فقط باستضافة شعراء من مختلف التيارات الشعرية والفكرية، بل وعبر إقامة الندوات والملتقيات التي تبحث في راهن الشعر العربي والاتجاهات الحديثة منه ومكانها من الواقع الاجتماعي العربي، بمعنى أن المهرجان قد انفتح بالفعل على المتغيرات العصرية وما أنتجته من مدارس وتيارات.
ماضٍ وحاضر
المهرجان في حقيقة الأمر ملتقى يهتم بكل مجالات الشعر العربي، تاريخه وحاضره، وتقاليده وتياراته المتجددة، مع الحفاظ على السمات والمرتكزات الأساسية للشعر، ورعاية الموروث الشعري، حيث ظلت القصيدة القديمة الكلاسيكية تجد مكانة بارزة من الاهتمام والرعاية والتنقيب والبحث، فما كان لهذا الضرب الشعري المتوارث أن يستمر لولا أنه يمتلك قوة ذاتية وموضوعية قوية جعلته قادراً على التوهج والاستمرار، فالحفاظ على القصيدة بشكلها المتوارث هو نوع من حفظ التراث، وذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذا النوع الشعري لم تمتد إليه يد التطور الذي تم من خلال استيعاب القصيدة العمودية لمتغيرات الواقع والقدرة على التعبير عنها بكل جدارة واقتدار، فالمهم، كما يقول اختصاصيو اللغة، الكلمات والمقدرة على تطويعها والتعبير بها في مختلف القوالب، وذلك ما نجحت فيه النصوص العمودية، ولا يكاد المرء يشير إلى أهم شعراء العربية في العصر الحديث إلا ويكتشف أنهم الذين تمسكوا بالقصيدة العمودية إلى جانب الانفتاح على تجارب التفعيلة.
النقد
من العوامل المهمة كذلك لنجاح المهرجان واستمراريته هو الاهتمام بمجال النقد من خلال الاحتفاء بالحركة النقدية للشعر العربي، وذلك عبر استضافته لأبرز النقاد العرب، الذين عملوا رصد تحولات القصيدة في ظل الإبداعات الشعرية الجديدة، وربما ظل ذلك الأمر مفقوداً في كثير من المنصات والمناسبات الشعرية العربية، أي الالتفات إلى دور النقد في تطوير القصيدة والنصوص، بل وكذلك في تأثيره الإيجابي على الشعراء من حيث الأدوات والأساليب والتقنيات، فغياب النقد يعني بشكل مباشر السقوط في مستنقعات الركاكة والتدهور الشعري، بينما حضوره هو مؤشر مهم للتطور، وذلك ما تحتاج إليه القصيدة العربية والشعراء العرب الذين يجدون أنفسهم في هذا المهرجان في رحاب مدرسة متكاملة
تنقيب
انعكس ذلك التنقيب النظري في واقع الشعر والقصيدة العربية على البرامج الفكرية للمهرجان خلال الدورات الماضية، وهو البذل الذي يبحث في أفق للشعر العربي من حيث تطوره، وذلك كان الموضوع الرئيسي للنقاشات الفكرية في الدورة ال 20 للمهرجان والتي جاءت بعنوان:«تطور لغة الشعر العربي»، وذلك من خلال عدد من الأوراق بحثت في تطور اللسان والاختلاط بالثقافات الأخرى، وكذلك الصورة واختلاف دلالاتها في لغة الشعر العربي، إلى جانب تطور المستوى الصرفي في لغة الشعر العربي، وعدد من المواضيع الأخرى التي أكدت تطور الشعر العربي ودوره في الحفاظ على اللغة العربية وتطوير أساليبها وإثرائها ومدّها بألفاظ وصور توسع معانيها ومبانيها، إلى جانب الجهود في مجالات الاشتقاق والنحت والتوليد مما انعكس بشكل إيجابي أيضًا على حركة التطور اللغوية لما تمتلكه العربية من حيوية وقدرة على الامتصاص، وقد حفلت العديد من القصائد بهذه المحاولات على مر العصور السابقة.
كما تناولت الدورات السابقة واقع الشعر في ظل التحولات والمتغيرات العصرية، حيث كان عنوان الندوة الفكرية في الدورة ال 21، بعنوان:«الشعر العربي من الثبات إلى التحوّل»، حيث اهتم الباحثون والدارسون في جلستين بتحليل تاريخ نشأة الشعر العربي وتطوره وتوصلوا إلى أن القصيدة العربية ظلت تمتلك القدرة على إحداث فرق حضاري حقيقي على مرّ العصور والثقافات وكانت أساساً قوياً لتطور الأدب وتنمية الوعي الإنساني كما كشفوا أسرار الشعر الدفينة التي كانت تكشف في كل مرّة عن وجود كنوز معرفية لا حصر لها ومجالات بحثية غزيرة ينهل النقد منها ولا يرتوي البتة، حيث إن التمسك بالإرث الحضاري هو الذي يجعل الانفتاح على المتغيرات أمراً يستند إلى رؤى وأفكار، وليس إقبالاً مجانياً بلا جذور على التيارات الحديثة، وما هذه المدارس والاتجاهات الجديدة في الغرب إلا تطويرا لما هو قديم في حضارتهم.
أفق جديد
إن تلك الندوات والبرامج الفكرية والنقدية هي ما جعلت من الشارقة للشعر العربي منصة حقيقية لصناعة الرؤى التي تسهم في تطوير القصيدة واللغة العربية، ويتواصل المدد المعرفي والجمالي من خلال فعاليات وأنشطة هذه الدورة الجديدة ال«22»، والتي تستضيف أكثر من 80 شاعراً وباحثاً وإعلامياً، حيث يصاحب فعاليات المهرجان تنظيم ندوة فكرية بعنوان«الاتجاه الوجداني في الشعر العربي وتحولاته»، إذ تشكّل محطة بحثية ومعرفية تتيح للجمهور والمهتمين الوقوف على أحد أبرز الموضوعات في الشعر العربي«الوجدان»واستجلاء تجلياته وتحولاته الجمالية والفكرية عبر المراحل المختلفة، وهو موضوع جدير بالنقاش وأن تبذل على جوانبه الأفكار والرؤى، كما تشتمل الدورة على الكثير من البرامج والفعاليات التي ترسخ من مكانته، حيث يهتم مفتتح المهرجان هذا العام بكل الدورات السابقة من خلال عرض تسجيلي يحمل عنوان:«أعوام من الشعر».
جوائز
اهتم المهرجان كثيراً بأمر الجوائز الشعرية كواحدة من المحفزات التي تسهم في الحراك الأدبي وتطوير القصيدة وجعل الشعراء يبدعون في تقديم كل جديد، بل والاستمرار في مواصلة عطائهم، وتمنح تلك الجوائز في المهرجان لكبار الشعراء والشباب المبدع من كل الأقطار العربية، الأمر الذي كان له كبير الأثر في تجدد الاهتمام الشعبي والجماهيري بالشعر العربي، بل إن ذلك الدعم للشعراء العرب وتحفيزهم، كان له الأثر الكبير في عودة العديد منهم نحو نظم الشعر، بعد أن كادوا يتركونه بفعل مشاغل الحياة، ما أعاد البريق مجدداً ل«ديوان العرب»، بعد أن كادت الساحة تترك الشعر لمصلحة الأجناس الأدبية الجديدة، ومن ضمن تلك الجوائز«جائزة الشارقة للشعر العربي»، إضافة إلى جائزة«القوافي الذهبية»، وكذلك الجوائز في مجال النقد الشعري، حيث بات«الشارقة للشعر العربي»، علامة ثقافية مضيئة في ذاكرة الشارقة الثقافية، خاصة في ما يتعلق بتكريم الشخصيات الشعرية البارزة في المشهد الثقافي العربي، هذه الشخصيات التي لها تأثيرها في عالم الشعر، واللغة العربية الفصحى.
بيوت الشعر
امتدت حركة المهرجان إلى خارج نطاق الإمارات، وأسهمت في تفعيل منجز الإبداع الشعري العربي، وأعادت للشعر مكانته المركزية في قلوب العرب، فعادت الروح له لكي يظل منارة للتاريخ الإبداعي والحضاري، وما بيوت الشعر والمهرجانات التي تقيمها إلا دليل واضح على رسوخ فكرة المهرجان التي انتقلت نحو كل المدن والعواصم العربية، فضلاً عن الدعم المباشر للشعراء العرب في بلدانهم من أجل ألّا يتخلوا عن راية القصيد، بحيث يسهمون بشكل فعال في الحراك الثقافي في دولهم، إذ أصبح، بفعل تلك الرعاية وذلك الاهتمام، هناك أمسيات وأصبوحات شعرية على مدار العام في العديد من البلدان العربية في السودان والمغرب والأردن وتونس ومصر وموريتانيا وغيرها، وهي حالة تتجدد وتتوسع بصورة سنوية.
امتداد
بل إن تأثير المهرجان امتد إلى خارج الوطن العربي تأثيراً وحراكاً وفاعلية، خاصة في بلدان القارة العربية، حيث شهدت الدورات المتعاقبة للمهرجان مشاركة شعراء أفارقة يمثلون دول مثل: السنغال، ومالي، والنيجر، وتشاد، تماشياً مع أهداف المهرجان التي تسعى إلى الانفتاح على آفاق شعرية جديدة، وتعزيزاً لملتقيات الشعر العربي في إفريقيا، وذلك أعطى هذه المنصة المتوهجة زخماً جديداً وفريداً، وجعلها تقترب أكثر فأكثر من أن تصبح مركزاً عالمياً للشعر يجتاز كل الحدود بقوة الكلمة.
أجيال
ولعل من أجمل إشراقات المهرجان هو حضور أجيال مختلفة من الشعراء العرب في منبر واحد، الأمر الذي جعل منه حوارية تظهر صورة راهن الشعر في تمازجه الإبداعي، وانفتاحه على كل جديد في مجال الشعر والنقد على حد سواء، وربما اللافت في هذه المنصة، هي الاهتمام المتعاظم بالأجيال الجديدة والشابة في مجال الشعر، من الذين ربما لا يجدون مثل هذه الفرصة في المناسبات الشعرية الأخرى، الأمر الذي أسهم في إثراء الساحة الشعرية بإنتاج أدبي شعري غزير ومتميز، وذلك بفضل الرعاية والاهتمام بالمواهب الشعرية الجديدة، والحرص على تكريم هذه المواهب، ودعمها في أوطانها مما جعل الكثير منهم نجوماً تلمع في سماء الشعر العربي.
تواصل
خلق المهرجان حالة مميزة من التواصل بين الشعر والشعراء والجمهور، وخاصة أن هذا الأخير، الذي كاد أن يترك الاستمتاع بالقصيد لقلة الشعراء والمنتوج الأدبي الشعري، حيث نجحت منصة«الشارقة للشعر العربي»، في تكوين قاعدة جماهيرية كبيرة يحتفي في كل دورة بالجديد في عالم القصيد، وظلت أماكن إلقاء الشعر في قصر الثقافة وخورفكان وكلباء تحفل بالحضور الكبير الأمر الذي يؤكد عودة الألق لأهم نوع أدبي عربي، الأمر الذي كان له الأثر الكبير في تجدد الاهتمام الشعبي والجماهيري بالشعر العربي الذي هو منبع لأجمل المعاني الوجدانية، والقيم الإنسانية، والأخلاقية، والوطنية.
دواوين
من أهم الإشراقات التي ظلت تزداد توهجاً في كل الدورات السابقة وصولاً إلى النسخة الحالية، هي تلك المتمثلة في طباعة العديد من دواوين الشعراء المشاركين في المهرجان، وتلك مسألة في غاية الأهمية لتنشيط الحراك الإبداعي في مجال القصيد وجعله مستمراً ومتوهجاً، فالمعروف أن العديد من دور النشر العربية صارت لا تتحمس كثيراً في طباعة الأعمال الشعرية، وتحصر ذلك على الأسماء المعروفة في العالم العربي، بالتالي فإن المهرجان يسهم في انتشار الإبداعات الشعرية حتى لشعراء غير معروفين أو جدد، وتلك خدمة كبيرة ل«ديوان العرب»، إضافة إلى المؤلفات في مجالات النقد الشعري.
المصدر : صحيفة الخليج
