ضمن فعاليات مهرجان الشارقة للشعر العربي في دورته الـ22، شهد قصر الثقافة، الاثنين، انطلاق فعاليات الأمسية الأولى، بحضور عبدالله محمد العويس رئيس دائرة الثقافة، محمد إبراهيم القصير مدير إدارة الشؤون الثقافية بالدائرة، ومحمد البريكي، مدير بيت الشعر، شارك في الأمسية خمسة شعراء هم: عبدالواحد عمران من اليمن، وأحمد الفاخري من ليبيا، ومبروك السياري من تونس، وصلاح الدين الخو من موريتانيا، وحنان فرفور من لبنان، وقدمها خالد اليساري من العراق.
وابتدأ الأمسية عبدالواحد عمران، الذي ألقى عدة قصائد تفيض بالحنين والشوق، وتعج بالمشاعر الإنسانية الرقيقة، وجاءت قصيدته الأولى، في رثاء ولده الذي توفي غرقاً منذ عامين، مليئة بمشاعر الحزن واللوعة التي يعانيها، حيث يقول:
منذ عامين لم أزلْ في انتظاركْ
يا ابن قلبي، وخائفاً من قراركْ
ربما قلتَ لن أعودَ، أتدري
أنني ناظرٌ برغم اعتذاركْ
خلف وجه الغروب أحصي بدمعي
نزعَ شمسِ النهارِ وهْيَ تعاركْ
شبح الموت عند كلِّ أفولٍ
في يدي موجتين سودِ المَبارِكْ
هل تعودانِ رفقةً، هل سأصحو
من ذهولي عليك في حضن داركْ
وفي قصيدته الثانية بعنوان: «وجه يكمل نحاته»، يغازل الشاعر اليمني مدينة صنعاء وأطلالها المنحوتة على تجاعيد وجهه بقوله:
لِوجهي الذي مِنْ أوّلِ العُمرِ أنحتُهْ
ولم يلتفتْ لي، جئتُ نصّاً سيَلفتُهْ
ألوّحُ مكسورَ الذراعِ لحزنِهِ
فتجبرُ مكسورَ الأزاميلِ سمرتُهْ
لصنعاءَ وهْيَ الآن منقوشةٌ على
تجاعيدِهِ محتارةٌ كيف تَنعِتُهْ
على طللٍ دوماً أُلاقيهِ واقفاً
كأنّ الذي ينهارُ في الأرضِ بلدتُهْ
وألقى أحمد الفاخري بعضاً من شعره الذي يبث فيه لواعج همومه وشكواه، ويسرد فيه قصصه الإنسانية المعبرة، حيث يقول في قصيدته بعنوان «سيرة الخطى الغرقى»:
حَدِيثُ المَسَافَاتِ الَّتِي لا تُعِيدُنَا
حَدِيثٌ بِلَيْلٍ -لو تُصَدِّقُ- أَجْوَفُ
جَلَسْنَا.. وَدُرويشُ المَكَانِ تَرَدَّدَتْ
تَهَاوِيدُهُ.. والسّامعون تصوّفوا
عَلَى مِقْعَدٍ من وَحْيِ أَفْكَارِنَا مَعاً
وَفِي شَارِعٍ بالذّكرَيَاتِ سَنَرْصِفُ
يُحِيطُ بِنَا سُورُ الخَيَالِ فَلاَ نَرَى
لِأبعَدَ مِنْ شَكٍّ تُغَطِّيهِ أَسْقُفُ
وتابع بث مكنونات نفسه في قصيدته الثانية بعنوان: «يجوبون حزن الليل»، تفاصيل معاناة عاشق عذري بقوله:
غريبٌ سنَا عَيْنَيْكِ.. كالبدرِ.. مُلهِمٌ
ولكن لِعِشْقِ المُتعبِينَ ظَلِيلُ
أَلاَ يَكْتَفِي بالضَّوءِ.. بدْرٌ.. وَوَجْهُهُ
قديماً بأُفْقِ الحَالِمِينَ نَزِيلُ؟
يَجُوبُونَ حُزنَ اللّيلِ منذُ تَكَسَّرَتْ
عليهِ نُجُومُ الأمسِ وهو عَلِيلُ
وأطل علينا الشاعر مبروك السياري، الذي بدأ قصائده بالعزف على قيثارة الحنين، في ألحان شعرية ألهبت خيال الحضور بقوله:
الذَّاهِبُونَ بَعِيداً فِي دَمِي عَزَفُوا
لَحْنَ الحَنِينِ وَأَصْغَى قَلْبِيَ الخَزَفُ
مَرُّوا وَقَدْ نَبَتُوا فِي مُهْجَتِي سَعَفاً
وَخَلَّفُوا نَخْلَةً كَمْ خَانَهَا السَّعَفُ
مَرُّوا خَيَالًا بِعُمْرِ المَوْجِ فِي خَلَدِي
وَرِقَّةً مِنْ عُيُونِ الحُلْمِ تَنْذَرِفُوَ
غَابَ فِي سَبَإِ الأَيَّامِ هُدْهُدُهُمْ
وَعَادَ مُنْكَسِرًا يَقْتَاتُهُ الأَسَفُ
وفي قصيدته الثانية يظهر الشاعر وفاءه لخلانه، ويعبر عما يجول في قلبه من مشاعر حزن على فراقهم بقوله:
عَبَرْتُ مِنْ زَمَنِ الذِّكْرَى إِلَى زَمَنٍ
حُلْمٍ، كَأَنِّي حُلُولُ الضِّيقِ فِي السَّعَةِ !
أَشْعَلْتُ فِي البَيْتِ مُوسِيقَى، وَمِنْ هَوَسِي
سَمِعْتُ نَقْراً عَلَى شُبَّاكِ أُغْنِيَتِي
وَظَلْتُ أُصْغِي عَسَى تَأْتِينَ مِنْ نَغَمٍ
يَكُونُ مَطْلَعُهُ: «جَاءَتْ مُعَذِّبَتِي»
وأما رابع شعراء الأمسية صلاح الدين الخو فألقى مجموعة من أشعاره المليئة بالشغف للقوافي والقصائد، وابتدأ بقصيدة بعنوا: «أبناء الشمس» ويقول فيها:
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ لَمَّا مَسَّنِي الشَّغَفُ
فَهَلْ لِقَلْبِي مِنَ الْأَضْوَاءِ مُرْتَشَفُ؟
كَأَنَّمَا قَلَمِي غُصْنٌ يَمِيدُ عَلَى
كُرَّاسَتِي وَحُرُوفِي كُلُّهَا أَلِفُ
وَالشِّعْرُ حَافِي الْقَوَافِي يَرْتَدِي سُحُباً
مِنَ الشِّتَاءِ وَيَمْشِي وَهْوَ يَرْتَجِفُ
لَمْ تَزْدَدِ الشَّمْسُ إِلَّا لَهْفَةً.. أَوَلَا
تَرَوْنَهَا وَهْيَ فِي الْآفَاقِ تَلْتَهِفُ ؟
وفي قصيدته الثانية بعنوان «على أهبة الضوء» يعبرعن حبه للنبي الكريم، مستعرضاً مشاهد مؤثرة من سيرة سيد المرسلين بقوله:
بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الدَّمِ لَهْفَةٌ
هَوْجَاءُ ذَاتُ تَمَوُّجٍ وَعُبَابِ
أَنَّى يَدُورُ النُّورُ حَوْلَكَ بُرْدَةً
لَكَ كُلَّمَا لَمَعَتْ يَسِيلُ لُعَابِي
مَا مِنْ سِوَاهَا لِلْعُلَا سَبَبٌ وَمَا
لِلْمَرْءِ غَيْرُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ
واختتمت حنان فرفور الأمسية بعدة قصائد تفيض بالعاطفة والشعور المرهف، عبرت فيها عن ذاتها التواقة للشعر والمليئة بالشجن والوجد تقول:
أطلُّ عليكَ من الأغنيات
ومن رجفةٍ في حداء الرعاةِ
أطلّ من التائهين بلا امرأةٍ
وحنينُ المنازل عاتِ
فأين ستبني العصافير عُشّا
إذا ما انْثنَتْ ركبةُ الفاتنات
وفي قصيدة أخرى تغنت بالليل والنجوم، وما تحمله من رمزية واضحة ودلالات مؤثرة في القلوب والوجدان:
مرّ بي هودجٌ عنِ الليل ينأى
أرجعوهُ صوب النجوم الكسالى!
قلتِ لي: لا ضير إليكِ جمالي
فاخرجي الآن من دموع الثكالى
قلتُ: صحبي أحبّهم قلتِ ألقوا
فوق عينيك الليل حتى استطالا
المصدر : صحيفة الخليج
