يحضر التراث الإماراتي، في حلة فنية آسرة لدى معظم الفنانين التشكيليين الإماراتيين، ذلك أنه يمثل جوهر الهوية الوطنية وتاريخ الأجداد، وهو بذلك يعتبر ملهماً لمعظمهم، بما يشتمل عليه من غنى وتنوع، ما يمكن هؤلاء الفنانين من استثمار مفرداته في العديد من اللوحات الفنية المعاصرة، فهو إذا يجسد الروح الإماراتية التي يحرص الفنانون على تقديمها بما يليق بها للأجيال الشابة، من هنا، يفهم كيف أن التراث بمفرداته الغنية يعبر عن الهوية في ظل التطور السريع للحياة المعاصرة، وهذا يعزز الشعور بالانتماء لدى الأجيال الجديدة.
لدينا لوحة ذات تكوين فني آسر للفنانة سلوى الشميلي، وأول ما يلفت النظر إليها هو ذلك اللون المدروس الذي يعتمد على الانتقال التدريجي من ناحية دلالة اللون الرمزية، حيث يبدأ هذا التكوين اللوني من الأسفل باللون الترابي أو البني، في رمزية لافتة لجذور الأرض والصحراء، ثم يتصاعد هذا البعد اللوني حتى يصل إلى عمق الأسود، حيث العباءة الإماراتية التي تمثل بالنسبة للمرأة دلالة عن المهابة والوقار.
يظهر اللون الأسود في اللوحة، بصفته حاضنا لبقية الألوان، وكأنه ظل الوطن أو غطاء يحمي التراث ومفرداته، فيما يتسلل اللون الأزرق من عمق اللوحة ليخلق توازناً بصرياً وروحياً في ذات الوقت، فيبدو نافذة روحية داخل المشهد، نافذة تمزج بين هدوء السماء وصفاء الإيمان.
إن حرص سلوى الشميلي على مزج الألوان الترابية مع الأزرق، من شأنه أن يمنح اللوحة بعداً درامياً يوحي بأن الصحراء ليست مقفرة وجرداء، بل هي مكان للانتقال من المادي إلى الروحي، كما أن الصحراء كما هو ظاهر في اللوحة تحتضن تنوعاً جغرافياً حياً، برز في امتزاج الأصفر مع الأخضر حيث رمزية النخل، كأهم مفردة، وتعد رمزاً وطنياً وثقافياً، تجسد الخير والعطاء، وترتبط بالضيافة والعيش في البيئة الصحراوية.
لقد مثل اللون الأسود في اللوحة دلالات مزجت بين الهوية (هوية المرأة وسترها) كما أحال اللون إلى القوة والثبات، فيما رمز الأحمر والبني إلى حرارة الصحراء وعمق التاريخ، وكان للأزرق الفاتح اللامع دوره في كسر الرتابة، وهو أيضاً رمز للأمل أو الإلهام.
تكوين
في هذه اللوحة، ثمة تكوين فني يمتد من اليسار إلى اليمين، والشخصية التراثية المحورية في اللوحة هي المرأة كعنصر رئيس ومهيمن، وفي داخل هذا المكون، حرصت الفنانة على رسم أكثر من مفردة إماراتية، فهناك العباءة بلونها الأسود، التي تعكس زي المرأة التراثي، والبرقع الذي يمثل الحياء بالنسبة للمرأة، المتمسكة بعاداتها وتقاليدها وبجذورها الأصيلة.
أما اللون الأحمر والبني في اللوحة (الأحمر البارز في الإطار الزخرفي) فيمثلان حرارة الصحراء وعمق التاريخ.. وقد حرصت سلوى الشميلي على تزيين عباءة المرأة بزخارف بيضاء خطية ودائرية، وأخرى ذات سماكة أكبر كما يظهر في اللون الذهبي على رأس المرأة الذي يرمز إلى الإكليل أو التاج، وقد كان لحركة الضوء الصاعد من الأسفل إلى الأعلى إشارة – كما يبدو- إلى تلك الصلة الروحية العميقة التي كان يتمثلها الإنسان الإماراتي في حرصه على التواضع، ومعرفته المسبقة بدوره في الحياة، وهو دور يرتبط بالممارسة ولصيق بالقيم ويزاوج بين الجوانب المادية وغير المادية (كالعادات والتقاليد والروحانيات).
إضاءة
سلوى الشميلي، فنانة إماراتية لديها شغف بالتراث منذ كانت على مقاعد الدراسة الجامعية، لقيت تشجيعاً منقطع النظير من محيطها الاجتماعي ما دفعها لمواصلة سعيها في هذا المجال، وهي من ضمن الفنانين الذين تركوا بصمة في الساحة التشكيلية محلياً وعالمياً، منطلقة من خلفيتها الثقافية وموروثها الشعبي، لتستلهم منه أفكارها ومنهجها بتصوير مناظر من الطبيعة وتوثيق مشاهد من التراث الشعبي المحلي، الذي يأخذ حيزاً واسعاً من اهتمامها وإحساسها بمسؤوليتها تجاه وطنها والتعريف بتراثه.
تأثرت الشميلي بعدد من الفنانين المخضرمين، الذين أسهموا في تشكيل المشهد الفني المحلي مثل: عبد القادر الريس، فيصل عبدالقادر، عبيد سرور، وفي لوحاتها ثمة اهتمام مدروس بالحفاظ على التراث والانفتاح على الفنون المعاصرة، وهي تعتقد دائماً بدور الفنون في تشكيل ذائقة المجتمع، والاحتفاء الثقافي.
المصدر : صحيفة الخليج
