شهد بيت الشعر، مساء الخميس، الأمسية الشعرية الرابعة ضمن فعاليات مهرجان الشارقة للشعر العربي، بحضور عبدالله بن محمد العويس رئيس دائرة الثقافة، ومحمد إبراهيم القصير مدير إدارة الشؤون الثقافية في الدائرة، وعدد من مديري بيوت الشعر في العالم العربي وضيوف المهرجان، وسط جمهور كبير متعطش للقصيدة الجميلة والكلمات الجزلة والبلاغة والفصاحة.
شارك في الأمسية 6 من الشعراء هم: عارف الساعدي «العراق»، أمل السهلاوي «الإمارات»، د. أسامة تاج السر «السودان»، محمد خضير «الأردن»، ود. حسن عبده صميلي «السعودية»، وإبراهيم عبد الكريم «تشاد»، وقدم الأمسية عبدالله أبوبكر «الأردن».
عارف الساعدي كان أول الأصوات التي همست بالقصيد، ولعل أكثر ما يميز هذا الشاعر أن نصوصه تحمل الرؤى والأفكار الفلسفية التي تغوص عميقاً في مختلف القضايا، إضافة إلى البعد الاجتماعي الواضح الذي يعلن موقفاً منحازاً للبسطاء عبر طرح قضاياهم ومعاناتهم.
ولئن تنوعت القراءات والمواضيع الشعرية التي قدمها الساعدي في الأمسية أمس، فإن ضمن أجمل تلك النصوص التي ألقاها تلك التي تحمل تفاصيل سفر روحي بعنوان: الرحلة المكية، جاء فيها:
سلَّمتُ قبل دخوليَ البيتَ الحرامْ
وسألتُ عنك الباب والعتبات والحجر الرخامْ
هل أنت في هذي القصور مخبأٌ
أم في الخيامْ؟
ودخلتُ بيتك مثل كل الناس
ابحثُ عنك
لكني انشغلتُ
بكل أنوار الثريِّات المضيئةِ
وانتعشتُ بخفقة البرد الخفيفةِ
وانتظرتك
في الزوايا والمرايا والكلامْ.
أسامة تاج السر، قدم مجموعة من القصائد التي تقف شاهدة على امتلاك ناصية اللغة وتطويع المفردات، وربما نجح الشاعر بخلفيته النقدية في أن تكون نصوصه دقيقة في جميع الأغراض الشعرية التي تناولها في الأمسية.
ومن قصائد تاج السر التي تفاعل معها جمهور الأمسية، نص بعنوان «الطوفان»، يقول فيه:
قد ضاقت الفلك لما أزيد الموج
يا رب ناج بها، للآن لم ينج
هتفت يا نوح، إنَّ الغيب معضلة
الإنسان، يا نوح، إنَّ القوم قد لجوا
قد قال لي الموج: ما في الفلك متسع
للأغنيات، وأغرى روحي اللج
لوحت للغد، إنَّ الماء مؤتمن
فغُصْتُ فيه، وهم في فلكهم زُجوا.
أما محمد خضير، فقد كانت نصوصه بمثابة بيان من أجل الإنسانية والحياة، ولعل خلفيته كفنان تشكيلي جعلته يمتلك القدرة على الرسم بالكلمات، والتقاط التفاصيل الصغيرة من أجل صناعة صور مشهدية حية نابضة بالجمال.
ومن القصائد التي ألقاها خضير في الأمسية تلك التي حملت عنوان: «اعترافات مؤجلة لعنترة العبسي، ونقرأ فها:
الليلُ توأَمنيْ فَأمْسَى صاحِبيْ
ثمَّ افْتَرقنـا كاهِلًا يَبكيْ صَبِيْ!
هُوَ فَحْمَـةٌ هامَ النَّهـارُ بكُحْلها
وأنا غَريبُ الّلونِ، أنْكرَني أَبيْ
ومَضَى إلى شَأْنِ القَبيلةِ، شاهِراً
سَيْفَ الفُحولَةِ، تارِكاً قَتْلاهُ بيْ
أُمِّيْ، وَنصْفُ قَصيدَةٍ حُمِّلْتُها
لما سُؤالُ الرَّمْلِ أَنْهكَ مَركَبيْ
ورسم حسن عبده صميلي، الدهشة وانتزع الإعجاب من الجمهور ببراعته اللغوية من خلال صناعة الصور والمقاربات والولع بتحشيد النصوص بالرموز ذات الدلالات القوية.
يقول في قصيدة «تلاوة من وحي الأرض»:
للماثلين بهذي الأرض تحرسهم
خطى وتحرسهم في الرمل ذاكرة
للممسكين ظلال الأرض في يدهم
حتّى كَأَنَّ ظلال الأرض هاربة
لمُتَعَبِ كلما نادته طينته
لم يرتبك.. فشقوق الطين آمنة
لموطن ظل يغفو في ملامحنا
وَلْتَسْأل الروح.. إن الروح شاهدة
وقدم إبراهيم عبدالكريم قصائد تقترب من عوالم الرؤى والنبوءات، وكأن القصيدة تنطلق من عوالم غامضة مجهولة وتحدث الناس عما كان وما سوف يأتي بحس جمالي بديع سرعان ما يتسرب لقلوب الجمهور، يقول في قصيدة «في حضرة احتراق الشموع»:
أَطَلُّوا كَمَا الْأَقْمَارِ لَيْلًا وَهَذَّبُوا
مَشَاعِرَهُمْ فَانْدَاحَ في الأفق كوكب
مشوا في بساطِ الْحَقِّ قَالُوا لطينهم
بلا وجل في اليَمُ إِنَّا سَنَذْهَبُ
لَهُمْ قَبَسُ التَّقْوَى يُنيرُ سَبِيلَهُمْ
وَمِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ التَّسابيح مُرْكَبُ
فَقَبْلَ اضْطِرَابِ الْمَوْجٍ تَابُوتُهُمْ ثَوَى
بهم في صَحَارِي الْغَيْبِ وَالْغَيْبُ يُرْعِبُ
واصطحبت أمل السهلاوي، الجمهور نحو سماوات مفتوحة من الأفكار الناصعة، حيث تمتلك قدرة على ملامسة القضايا النسوية بطريقة فلسفية، ومن القصائد التي ألقتها السهلاوي، نص بعنوان: «خندق المعارك»، ونقتطف منها:
لم يعد خندق المعارك يكفي
لم يعد مرهم المسافات يشفي
جئت من رحلتي مريداً جديداً
فاسمحوا لي بأن أجرب ضعفي
واتـركـوني أخاف دون ارتجـال
إن خوفي الذي تظنون خوفي
قد يذوب الشجاع سراً ولكن
جوهر الأمر أن يجيد التخفي.
وفي ختام الأمسية كرم عبدالله العويس الشعراء المشاركين في الأمسية.
المصدر : تحيا مصر
