مع انطلاق أذان المغرب وهدوء الشوارع في كل رمضان، تجتمع العائلات المصرية حول مائد الإفطار بحثاً عن لحظة دفء مشتركة، وفي قلب هذه الأجواء، كان هناك صوتاً مألوفاً يتسلل إلى البيوت، معلناً بداية حكاية لا تشبه غيرها؛ حكاية “بكار”. هذا المسلسل الكرتوني لم يكن مجرد عمل موجه للأطفال، بل تحول إلى طقس رمضاني أصيل ارتبط بذاكرة أجيال كاملة، وصار جزءاً لا يتجزأ من الوجدان المصري، تماماً كمدفع الإفطار وفانوس رمضان.
رموز وشخصيات حفرت في الذاكرة المصرية
لم يقتصر نجاح “بكار” على كونه طفلاً نوبياً طيب القلب، بل امتد الأثر ليشمل كافة عناصر العمل التي قدمت قيمًا إنسانية عميقة ببساطة وصدق نادر. ويمكن تلخيص أبرز الشخصيات التي شكلت هذا الوجدان فيما يلي:
- بكار: الطفل النوبي الذي جسد معاني النقاء والانتماء وحب الوطن.
- رشيدة: المعزة الوفية التي ارتبطت ببكار وصارت رمزاً للبراءة والصداقة مع الكائنات.
- حسونة: الصديق المشاكس الذي أضفى روح الفكاهة والضحك على الأحداث.
وفي زمن ازدحمت فيه الشاشات بالضجيج، جاء هذا العمل هادئاً وصادقاً، يحمل رسائل أخلاقية بعيدة عن المباشرة المنفرة، ويزرع في القلوب قيم العمل واحترام الاختلاف.
سر الاستمرارية والارتباط الشعبي بالعمل
ارتبط المصريون بمسلسل بكار لأنه احترم عقلية المشاهد بجميع فئاته العمرية؛ فخاطب الطفل دون إهانة لذكائه، وجذب الكبير دون إقصاء لاهتماماته. جلس الصغير بجوار والده، وضحكت الأم قبل ابنها، حيث تعلم الجميع في نهاية كل حلقة درساً بسيطاً يُحكى كالحكايات الجميلة قبل النوم.
ولا يمكن ذكر بكار دون استحضار موسيقاه الشهيرة التي غناها “الكينج” محمد منير، والتي مثلت جواز مرور مباشر إلى القلوب. تلك الألحان اختصرت معاني النوستالجيا والدفء في لحن واحد لا يشيخ، مما جعل نجاح العمل يتجاوز نسب المشاهدة إلى نجاح الذاكرة والحنين الدائم، ليبقى مشروعاً ثقافياً وإنسانيًا يثبت أن الفن الصادق يعيش طويلاً.
شهادة بطل العمل وكواليس نصيحة الكينج محمد منير
أكد الفنان محمد درويش، الذي أدى دور بطل المسلسل الكرتوني الشهير، أن “بكار” تجاوز كونه مجرد مسلسل أطفال ليصبح أيقونة فنية راسخة. وفي تصريحات خاصة، أوضح درويش أن العمل مرتبط بنوستالجيا رمضان، مؤكداً أنه لا يغيب عن المشاهدين بفضل عرضه المستمر على قنوات الأطفال، ليظل جزءاً ثابتاً من طقوس الشهر الكريم، وكشف درويش عن كواليس ملهمة جمعته بالكينج محمد منير أثناء تسجيل العمل، حيث وجه له منير رسالة قوية كانت بمثابة نقطة تحول في حياته قائلاً:
“ستكون نجماً كبيراً للغاية عندما تكبر”.
هذه الكلمات لم تكن مجرد تشجيع عابر، بل كانت الدافع الرئيسي الذي جعل محمد درويش يقرر الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية لمواصلة مسيرته الفنية، وفاءً لتلك النبوءة وتأثراً بهذا المشروع الذي لم يكن مجرد منتج تجاري، بل زرعاً طيباً في ذاكرة المصريين.

تعليقات