في خطوة ثورية نحو تعزيز الأمن البيولوجي، كشف باحثون أمريكيون عن تقنية تشفير مبتكرة تستخدم الحمض النووي (DNA) لحماية الخلايا المهندسة عالية القيمة من السرقة أو الاستخدام غير المصرح به. هذا الإنجاز، مثل نقلة نوعية في حماية المواد البيولوجية الحساسة، خاصة في ظل تزايد التهديدات المتعلقة بالتجسس الصناعي وسرقة الأصول الجينية.
تشفير جيني مبتكر لمواجهة التهديدات البيولوجية
يعتمد النظام الجديد، الذي يُطلق عليه GeneLock، على مفهوم “القفل البيولوجي”، حيث يتم خلط تسلسل الحمض النووي للخلية بطريقة تجعله غير وظيفي وغير قابل للقراءة بسهولة. تُعد هذه الخلايا المهندسة أصولاً جينية بالغة الأهمية في مجالات التكنولوجيا الحيوية، والطب، وأبحاث الشيخوخة، والخلايا الجذعية، ويتوقع أن يصل حجم سوقها العالمي إلى 8.0 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2035.
عملية “فك التشفير” لهذا القفل الجيني تتطلب إضافة سلسلة محددة من المواد الكيميائية بترتيب دقيق عبر الزمن، تمامًا كإدخال كلمة مرور. هذه المواد الكيميائية تقوم بتنشيط إنزيمات معينة (recombinases) التي تعيد ترتيب الحمض النووي إلى شكله الأصلي والوظيفي. وقد أظهرت التجارب أن هذا النظام يوفر مستوى عالٍ من الأمان، حيث كانت نسبة النجاح في التخمين العشوائي لفك التشفير حوالي 0.2%، وهو رقم قريب جدًا من الهدف النظري البالغ 0.1%.
من الهجمات الإلكترونية إلى “البيولوجية”: تحديات أمنية متزايدة
يأتي هذا التطور في ظل تقارير متزايدة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) ووزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS) عن ارتفاع في سرقة وتهريب المواد البيولوجية عالية القيمة، بما في ذلك الخلايا المهندسة خصيصًا. هذه المواد، في الأيدي الخطأ، يمكن أن تستخدم في تطوير أسلحة بيولوجية أو إلحاق الضرر بالبيئة بشكل متعمد.
في استعراض لقوة النظام، أجرى الباحثون تمرين “قرصنة أخلاقية” (biohackathon) لتقييم مدى فعاليته. قام فريق بتصميم التسلسل المشفر للحمض النووي، بينما تحدى فريق آخر لاكتشاف كلمة المرور الكيميائية الصحيحة من خلال التجريب. هذا النهج، المستوحى من ممارسات الأمن السيبراني، أثبت أن GeneLock يعزز بشكل كبير القدرة على حماية خطوط الخلايا المهندسة القيمة عن طريق توسيع الأمن من البيئة المختبرية إلى المستوى الجيني نفسه.
مستقبل الأمن البيولوجي والتحول نحو التشفير الجيني
يمثل هذا الابتكار تحولًا مهمًا في مجال الأمن البيولوجي، حيث يوفر للمرة الأولى حماية للخلايا القيمة على المستوى الجيني، حتى بعد تجاوز إجراءات الأمن المادي التقليدية مثل الأقفال والكاميرات والحراس. مع استمرار التطور في التكنولوجيا الحيوية وتزايد قيمة الأصول الجينية، تصبح الحاجة إلى آليات دفاع قوية مثل التشفير المعتمد على الحمض النووي أمرًا حتميًا لضمان سلامة وأمان البحث العلمي والتطبيقات الصناعية والطبية.
يُتوقع أن تساهم هذه التقنيات في تطوير إطار عمل شامل لأمن الفضاء البيولوجي (Cyberbiosecurity)، وهو مجال ناشئ يهدف إلى تحديد وتقييم وتخفيف المخاطر التي تنشأ عند تقاطع الأنظمة البيولوجية والتقنيات الرقمية.

تعليقات