دراجة بخارية تكسر الأرقام القياسية وتصبح ثاني أسرع دراجة نارية عالميًا

دراجة بخارية تكسر الأرقام القياسية وتصبح ثاني أسرع دراجة نارية عالميًا

يواجه عشاق السرعة والدراجات النارية في العالم صعوبة كبيرة في استيعاب الإحساس الحقيقي بالسرعة القصوى. فغالبًا ما تكون الدراجات المرخصة للسير على الطرق مقيدة بحدود السرعة، وحتى على حلبات السباق، تظل هناك عوامل تحد من إمكانات الدراجة، مثل البيئة المحيطة ومهارة السائق. هذه القيود تحرم الكثيرين من اختبار السرعات الجنونية التي تدفعهم لإعادة التفكير في حدودهم.

في هذا السياق، يبدو من الصعب للغاية تخيل تجربة قيادة دراجة نارية تعمل بالبخار، قادرة على تحقيق أرقام قياسية مذهلة في عالم السرعة. ولكن في هذا المقال، سنلقي نظرة على أعجوبة هندسية فريدة من نوعها، دراجة لم تخرج من مصنع فاخر، بل من ورشة متواضعة، لتثبت أن الإبداع لا يعرف حدودًا.

“قوة الطبيعة”: دراجة بخارية تتحدى المستحيل

في إنجاز هندسي مذهل، استطاعت دراجة بخارية تحمل اسم “قوة الطبيعة” أن تحقق سرعات قياسية، لتصنف كثاني أسرع دراجة في العالم تعمل بالبخار. هذه الدراجة الفريدة قطعت مسافة ربع ميل في زمن قدره 5.503 ثانية فقط، مسجلة سرعة قصوى بلغت 310.5 كيلومترًا في الساعة. ويذكر موقع “newatlas” أن الدراجة لا يتفوق عليها سوى دراجة إريك تيبول الصاروخية، التي تنجز المسافة نفسها في 4.97 ثانية، متقدمة بفارق ضئيل على دراجة لاري ماكبرايد ذات الدفع بالعجلات.

تأتي هذه الأرقام المثيرة للإعجاب لتسلط الضوء على القدرات الهائلة للدراجات ذات الدفع البخاري، والتي لطالما ارتبطت في أذهان الكثيرين بالقدم والبطء. لكن “قوة الطبيعة” جاءت لتغيير هذه المفاهيم، مقدمة دليلًا ملموسًا على أن الابتكار يمكن أن يولد من أي مكان، ويحطم الحواجز التقليدية.

أرقام قياسية وتفاصيل أداء مبهرة

لم تكتفِ “قوة الطبيعة” بهذا الإنجاز، بل واصلت تحطيم الأرقام القياسية في مسافات أخرى. على سبيل المثال، سجلت الدراجة سرعة قصوى بلغت 337.8 كيلومترًا في الساعة خلال 3.258 ثانية فقط، وذلك عند قطع مسافة ثمن ميل. كما وصلت سرعتها إلى 327.2 كيلومترًا في الساعة عند مسافة 1000 قدم، محققة هذا الإنجاز في زمن قدره 4.388 ثانية.

تحققت هذه الإنجازات المذهلة خلال “مهرجان القوة” الذي أقيم في سانتا بود بالمملكة المتحدة. واللافت أن هذه الدراجة لم تخرج من مصنع فاخر أو مركز أبحاث ضخم، بل جرى تطويرها بالكامل داخل ورشة خاصة في بيديل، شمال يوركشاير. وفي عام 2023، سجلت “قوة الطبيعة” رقمًا قياسيًا عالميًا جديدًا في سباق 1/8 ميل من وضع الثبات، وذلك ضمن فئة الدراجات التي تعمل بالبخار، لتؤكد تفوقها وتميزها.

التقنية وراء “قوة الطبيعة”

تعتمد “قوة الطبيعة” على آلية تشغيل متطورة ومعقدة لإنتاج هذه السرعات الخارقة. إليك أبرز عناصر هذه التقنية:

  • تبدأ العملية بتسخين الماء مسبقًا قبل الانطلاق، باستخدام وحدة منفصلة يطلق عليها الفريق اسم “السفينة الأم”.
  • يستخدم زيت نباتي مهدرج أو الكيروسين كوقود أساسي، حيث يتم حرقه داخل 6 أنابيب مصممة خصيصًا ومزودة بمحسنات داخلية لزيادة الكفاءة.
  • تُنقل الغازات الساخنة الناتجة عن الاحتراق عبر مشعب إلى وعاء الضغط.
  • تمر الأنابيب عبر وعاء ضغط يحتوي على 120 لترًا من الماء منزوع الأيونات والمعادن، ليتم تسخين هذا الماء إلى درجة حرارة تصل إلى 260 درجة مئوية تقريبًا.
  • بعد اكتمال عملية التسخين، يُفصل وعاء الضغط عن وحدة التسخين، وتُدفع الدراجة إلى خط البداية.
  • عندما يستعد السائق للانطلاق، يقوم بتفعيل النظام عبر زر على المقود، مما يؤدي إلى فتح صمامين يدفعان الماء بسرعة هائلة عبر فوهة محددة.
  • يتسارع الماء بسرعة تفوق سرعة الصوت بحوالي 1.1 مرة، ويتحول فورًا إلى بخار، ويتمدد بنسبة 1620:1، مع قذف حوالي 40 لترًا من الماء في الثانية، وهو ما وصفه مبتكر الدراجة بـ “دوي هائل”.

مستقبل مشرق وأهداف طموحة

بدأ جراهام سايكس وزوجته ديان رحلتهما في هذا المشروع الطموح منذ حوالي ست سنوات، ووصلت الدراجة حاليًا إلى مرحلتها الخامسة من التطوير. تتميز النسخة الحالية بهيكل أطول ووضعية قيادة معدلة، تساعد على تحمل الأحمال والقوى الهائلة الناتجة عن التسارع. ورغم زيادة وزن الدراجة مقارنة بالإصدارات السابقة، فإن قوة المحرك الهائلة تتيح لها انطلاقات تصل إلى حوالي ستة أضعاف قوة الجاذبية الأرضية، وهو ما يجسد قوة تكنولوجيا الدفع البخاري.

كما تم تزويد الدراجة بهيكل مصنوع من ألياف الكربون المطولة، وتصميم جديد لخزان الضغط بسعة 120 لترًا. وإلى جانب ذلك، تم استخدام صمامات خاصة تعمل بالنيتروجين لتحسين تدفق الماء وكفاءة النظام. يعتمد نظام التسخين على موقد قوي بقدرة 44 كيلوواط، مع تحسينات مستمرة لتقليل الزمن اللازم للوصول إلى درجات حرارة تتراوح بين 250 و260 درجة مئوية، وضغوط تتراوح بين 40 و50 بار.

على الرغم من هذه القدرات الخارقة، يؤكد سايكس أن التقنية لا تزال غير مناسبة للإنتاج التجاري الواسع، حيث أن التحكم في تدفق الطاقة يظل محدودًا بين التشغيل الكامل أو التوقف الفوري. ومع ذلك، يواصل الفريق العمل الدؤوب لتحقيق أهداف جديدة وأكثر طموحًا، تشمل قطع مسافة 1/8 ميل خلال ثانيتين فقط، والوصول إلى أقل من 5 ثوان في سباق ربع الميل، مع إمكانية تحقيق زمن يقارب 4 ثوان. هذه التطلعات تؤكد أن “قوة الطبيعة” ليست مجرد دراجة، بل هي تجسيد للابتكار اللامتناهي في عالم السرعة.