في خطوة قد تغيّر ملامح الرعاية في المراحل الأخيرة من الحياة، كشفت دراسة جديدة عن اختبار طبي بسيط يمكنه التنبؤ باحتمالية وفاة الشخص في غضون 24 ساعة بدقة أكبر. يعتمد هذا الاختبار على مراقبة رد الفعل الطبيعي للعين، أو ما يُعرف بمنعكس القرنية، والذي يختفي لدى المرضى الأكثر عرضة للوفاة الوشيكة، مما يوفر أملًا جديدًا للعائلات للاستعداد النفسي والعملي لهذه اللحظات الصعبة.
لطالما شكلت معرفة الوقت المتبقي لأحبابنا في آخر أيامهم تحديًا كبيرًا للأطباء والعائلات على حد سواء، فالسؤال المتكرر “كم من الوقت تبقى؟” يلاحق مقدمي الرعاية. الآن، يبدو أن العلم يقدم إجابة أكثر وضوحًا، مما يتيح للأسر فرصة قيمة للتواجد بجانب مرضاهم ووداعهم في هدوء.
اختبار العين: نافذة على الساعات الأخيرة
قاد الدكتور جونغ هون كانغ، مدير مركز الرعاية التلطيفية في مستشفى جامعة غيونغسانغ الوطنية بكوريا الجنوبية، دراسة هامة نُشرت في مجلة «BMJ Supportive and Palliative Care». هدفت الدراسة إلى إيجاد طريقة أكثر دقة للتنبؤ بقرب الوفاة، وتحديدًا خلال نافذة زمنية قصيرة، لتلبية رغبة العائلات في التواجد مع أحبائهم في لحظاتهم الأخيرة، كما ذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.
بينما يعتمد الأطباء والممرضون حاليًا على علامات تقليدية مثل تغيرات التنفس، ازرقاق الجلد، وانخفاض الوعي، والتي تشير إلى احتمال الوفاة خلال 48 ساعة بنسبة 95%، فقد أشارت هذه الدراسة الجديدة إلى أن منعكس القرنية قد يضيق هذه الفترة بشكل كبير.
شملت الدراسة مراقبة 112 مريضًا في مراكز الرعاية التلطيفية، جميعهم كانوا يعانون من سرطان متقدم، وكان يُتوقع بقاؤهم على قيد الحياة لمدة لا تزيد عن أسبوع أو أسبوعين.
كيف يعمل اختبار منعكس القرنية؟
خلال فترة الدراسة، فحصت الممرضات رد فعل القرنية 3 مرات يوميًا بطريقة بسيطة لكنها دقيقة. تم ذلك بالاقتراب من جانب العين لتجنب أي استجابة بصرية للمريض، ثم لمس القرنية بلطف بقطعة قطن معقمة أو خيط من الشاش. بعد ذلك، سجلت الاستجابة كالتالي:
- سليمة: الرمش الطبيعي يحدث.
- متضائلة: الرمش ضعيف أو بطيء.
- غائبة: لا يوجد أي رمش على الإطلاق.
من بين المشاركين، توفي 110 مرضى خلال سبعة أيام، وكانت النتائج لافتة جدًا. لوحظ أن المرضى الذين فقدوا رد الفعل القرني تمامًا كانوا أكثر عرضة للوفاة خلال 24 ساعة بخمسة أضعاف مقارنة بالآخرين، حيث بلغ معدل الوفيات بينهم في هذه النافذة الزمنية 70.7%، وهي نسبة عالية جدًا وغير مسبوقة.
لماذا يُعد منعكس القرنية مؤشرًا هامًا؟
فسر الدكتور كانغ فقدان هذا المنعكس بأنه قد يعكس تدهور وفشل جذع الدماغ، وهو الجزء الحيوي المسؤول عن وظائف الحياة الأساسية مثل التنفس والوعي، أثناء عملية الموت الطبيعية. وأشار إلى أنه رغم قوة هذه العلامة في التنبؤ بالموت الوشيك، إلا أن وجود رد الفعل لا ينفي احتمال الوفاة تمامًا، ولكنه يقلل من احتمالية حدوثها خلال 24 ساعة.
وجد الباحثون أيضًا أن دمج اختبار منعكس القرنية مع «مقياس ريتشموند للتهيج والتخدير» زاد من دقة النتائج بشكل ملحوظ، خاصة بين المرضى الذين كانوا تحت التخدير العميق. هذا الدمج يعزز من قدرة الأطباء على تقديم تقدير أكثر شمولية لحالة المريض.
تطلعات مستقبلية ورعاية كريمة
من جانبه، اعتبر ديفيد هوي، مدير أبحاث الرعاية التلطيفية في مركز «إم دي أندرسون» للسرطان بهيوستن، أن هذه النتائج تتماشى مع العلامات المتأخرة المعروفة للوفاة. إلا أنه نبه إلى أن حجم العينة كان صغيرًا نسبيًا، واقتصر على مرضى السرطان المتقدم في دور الرعاية، مما يستدعي إجراء دراسات أوسع نطاقًا.
بناءً على ذلك، يخطط الفريق البحثي لإجراء المزيد من الدراسات المعمقة. يأمل الخبراء، في حال تأكيد نتائجها بشكل أوسع، أن تصبح هذه الأداة قيمة للغاية للأطباء. ستساعدهم على منح العائلات إجابات واضحة ودقيقة، لضمان حصول المرضى على رعاية تتسم بالهدوء والكرامة في ساعاتهم الأخيرة، مما يحول فترة الوداع الصعبة إلى تجربة إنسانية بقدر الإمكان.

تعليقات