إبراهيم الشمر
لم يكن يوسف مكي اسماً عابراً في سيرة المكان، بل كان طبقة خفية من وعيه. رجل لا يتقدم الصفوف بالصوت، ولا يتراجع عنها بالحياد، بل يقف في المسافة التي تسمح للفكرة بأن تتنفس. حضوره لم يكن احتلالاً للمشهد، بل إنقاذ له من الابتذال، إذ كان يرى أن الثقافة لا تقاس بعدد المنابر، بل بقدرتها على صيانة المعنى من التآكل.
في زمن كانت فيه الهويات تختزل إلى شعارات، والاختلاف يدار بعصبية، اختار يوسف مكي طريقاً أشق: أن يكون عربياً بلا ضجيج، ووطنياً بلا مزايدة، وإنسانياً بلا ادعاء. لم يتعامل مع العروبة كراية سياسية، بل كأفق ثقافي وأخلاقي، يختبره في سلوكه اليومي، وفي طريقة استقباله للآخر، لا في خطاباته فقط.
كان الحوار عنده فعل معرفة، لا مبارزة. يستمع طويلاً، لا ليصطاد ثغرة، بل ليفهم السياق الذي ولدت فيه الفكرة. وحين يجيب، يفعل ذلك بهدوء من يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ. لذلك لم يكن خصومه أعداءه، بل شركاؤه في اختبار الفكرة، حتى إن اختلفوا معه جذرياً.
مجالسه لم تكن صالونات مغلقة، ولا دوائر نخبوية محصنة، بل فضاءات مفتوحة للأسئلة. يجلس فيها الشاب المتحمس إلى جوار المثقف المخضرم، دون تراتبية أو استعلاء. كان يؤمن بأن المعرفة تفقد معناها حين تحجب، وبأن الخوف على الفكرة يقتلها أكثر مما يحميها.
في علاقته بالوطن لم يكن يوسف مكي من دعاة التقديس الأعمى، ولا من أنصار الهدم العدمي. كان يرى الوطن مشروعاً أخلاقياً مستمراً، لا منجزاً مكتملاً.
أما السياسة فكان يتعامل معها بوصفها أداة لا قدراً. لم يضعها في مركز الوجود، بل في هامشه الضروري. رفض أن تتحول إلى دين بديل، أو إلى مبرر لإلغاء الإنسان. وكان يدري أن أخطر ما تفعله السياسة حين تنجح، هو إقناع الناس بأن لا شيء خارجها.
لم يسع إلى صناعة أتباع، ولا إلى توريث خطاب. كان همه أن يترك أسئلة حية، لا أجوبة جاهزة. لذلك يصعب اختزاله في موقف واحد، أو تصنيفه ضمن خانة مريحة. لقد آمن بأن الفكر الحقيقي يعيش في القلق، لا في الاطمئنان، وفي الحركة لا في الاستقرار.
رحل يوسف مكي، لكن أثره لا يقاس بما كتب عنه، بل بما تغير فينا بسببه.
لم يترك وصية، لأن حياته كلها كانت وصية غير مكتوبة: أن نكون أوفياء للمعنى، لا للضجيج، وللسؤال، لا للإجابات السهلة.
[email protected]
المصدر : صحيفة الخليج
