مدن سينمائية.. تأريخ للحداثة الغربية من الشاشة إلى الواقع

مدن سينمائية.. تأريخ للحداثة الغربية من الشاشة إلى الواقع

القاهرة: «الخليج»

أصبحت الأفلام جزءاً لا يتجزأ من الحياة في المدن، فمن المفترض أن التكنيك والتمثيل يفصحان عن الكثير من أحوال هذه المدن، وكذلك عن الأوضاع الحضرية بها، لكن كيف أثرت السينما في عصر الحداثة وما بعد الحداثة في فهمنا للمدينة؟ للإجابة عن هذا السؤال يستعرض الدكتور نزار الصياد هذا الموضوع في كتابه «مدن سينمائية تأريخ للحداثة الغربية من الشاشة إلى الواقع» بفحص مجموعة من الأفلام الأمريكية والأوروبية المشهورة.

يحاول المؤلف تحديد ملامح المدينة السينمائية كما صورتها الأفلام، وهو ما يسمح برؤية المدينة من خلال النمو العمراني ومن خلال المجازات المعبرة عن تصاعد وتيرة الحياة الحضرية، ويتناول هذا الموضوع من خلال عالم الصور المتحركة وعالم الواقع المعيش، مع التركيز على توضيح: كيف ساعدت هذه الصور على إعادة تشكيل الواقع بطريقة تبادلية؟

يستعين الدكتور الصياد بالمعاجم لتعريف الصورة، فهي انطباع ذهني، أو صورة ذهنية أو هي وصف حي أو جرافيكي، أو هي استعار ة أو رمز، وهي تقوم بتشكيل فهمنا للعالم الذي نعيش فيه، وبتشكيل ردود أفعالنا تجاهه، فالصورة تعمل كتذكرة ذهنية وكخرائط معرفية وإسقاطات إبداعية، كما أن المدينة نفسها تدرس في العديد من المناهج كصورة اجتماعية إبداعية، بما في ذلك مناهج الأدب وعلم الاجتماع والجغرافيا والأنثروبولوجيا.

ورغم أن الملامح التي تربط بين المدينة الواقعية والمدينة المصورة قد تكون غير مباشرة ومعقدة، فإن كثيراً من المتخصصين ممن درسوا ثقافة المجتمعات أدركوا أن هناك نقطة التقاء بين ما هو واقع ويحدث في الحياة اليومية، وبين الطريقة التي نرسم بها صورة هذه الحياة اليومية، حتى إن الفيلسوف الفرنسي جان بودريار وهو من منظّري القرن العشرين الرئيسيين في موضوع الصورة يذكّرنا بأن المجتمعات المعاصرة تتعرف إلى نفسها بشكل انعكاسي فقط من خلال الصور المتدفقة التي تعكسها عيون الكاميرا.

أصول الحداثة

إن مناقشة حداثة القرن العشرين تتطلب – كما يرى الصياد – نظرة إلى الوراء تقودنا إلى أصول الحداثة بمنتصف القرن التاسع عشر، في ذلك الوقت كان الشاعر الفرنسي شارل بودلير من بين أول من رصد ذلك النمط الجديد للحياة في المدينة الحديثة، كما كان أيضاً من بين أول من قام بالربط بين المدينة وهذا النمط الجديد الذي سمي بعد ذلك بالحداثة، باعتبار أن المدينة هي ساحة للتفاعل الاجتماعي والتبادل الاقتصادي.

يرى الصياد أن إعادة بناء المدن من جديد كان جانباً أساسياً من مشروع الحداثة، فقد شهد زمن بودلير افتتاح الشوارع الواسعة بباريس على يد نابليون الثالث ومخططها الرئيسي البارون هاوسمان، في واقع الأمر لم يشمل هذا التحديث الذي جاء به افتتاح الشوارع الواسعة فحسب، بل شمل أيضاً إنشاء المباني الضخمة والمتنزهات، ونظاماً للنقل العام، ونظاماً للصرف الصحي الحديث، كان هدف برنامج التصميم الحضري الذي وضعه هاوسمان، والذي استغرق عقدين من الزمان، إنشاء مدينة جديدة تماماً، مدينة تسمح بتطوير أشكال جديدة من النمو العمراني والنمو الصناعي وبتراكم رأس المال.

يشير الصياد إلى السينما كوسيلة جديدة، بسبب قدرتها على التقاط الصور ومعالجتها ثم عرضها على الجمهور، أسهمت في صناعة الملامح الحديثة للحياة، وفي أثناء ذلك انخرطت السينما مع المدينة، كما انخرطت المدينة مع السينما، حيث جعلت السينما تقنياتها التمثيلية السردية متزامنة مع الأوضاع الحضرية الجديدة والحديثة، التي بدأت تظهر خلال معظم سنوات القرن العشرين، استمر تصوير الحداثة على الشاشة ونقلها من الشاشة إلى المدينة مع تحديدها في صورة أنماط معمارية وملامح اجتماعية حضرية مصورة، إلا أنه بنهاية القرن، وتحدياً لهذه الديناميكية، ظهرت سينما ما بعد الحداثة بعد ذلك، كطريقة للتمثيل والسرد الإبداعي.

هكذا سعت سينما ما بعد الحداثة بعد ذلك، بناء على نفس المواقف الفلسفية التي اتخذها أدب ما بعد الحداثة وعمارة ما بعد الحداثة على سبيل المثال، لأن تدرك تعدد أوجه الحقيقة كطبيعة متأصلة فيها وإلى الإسقاط المتعمد لهذا المنظور، من أجل زعزعة المعتقدات المستقرة، إن هذه العلاقة المتوازية الموجودة بين المدينة في الواقع والمدينة في السينما أو غيابها، هو الأساس الذي سيرتكز عليه هذا الكتاب كإطار لبناء تاريخ عمراني لعصر الحداثة وما بعد الحداثة.

يقول الصياد: أطمح أن يسهم هذا الكتاب في إضافة بعدين آخرين في هذا المجال: أولاً جعل البعد الحضري والفراغ العمراني جانباً أساسياً في الحوار السينمائي، ثانياً استعمال الأفلام كأداة تحليلية في دراسات الحضر والعمران، وبالتالي فإن الفرضية التي يطرحها الكتاب هي أن نظريات العمران الحضري ونظريات الحداثة يمكن دعمهما بشكل كبير، إذا ما تم استخدام السينما كوسيط جوهري يعكس تجربة الحياة في المدينة، ولذا فإن محور هذا الكتاب لا يدور حول تحليل المدن كما تظهر في الأفلام فحسب، أو حول فهم الفرق بين ما تصوره كاميرا السينما وبين الواقع، إنما هو يدور حول نظريات جديدة عن العمران الحضري الذي ينبثق من الفضاء السينمائي.

المصدر : صحيفة الخليج

وسوم: