متحف الشارقة للخط… ذاكرة الجمال

متحف الشارقة للخط… ذاكرة الجمال

يعد متحف الشارقة للخط، أحد أبرز المتاحف الثقافية المتخصصة في فن الخط العربي على مستوى العالم العربي، لما يقدمه من تجربة بصرية ومعرفية متكاملة توثق جماليات الحرف العربي وتبرز دلالاته الحضارية والروحية، ومنذ افتتاحه في الثاني عشر من يونيو عام 2002، رسخ المتحف حضوره كمنصة ثقافية حيوية تجمع بين العرض المتحفي والتعليم الفني، مساهماً في تعزيز الهوية العربية والإسلامية عبر فن الخط بوصفه أحد أهم مكونات الذاكرة الثقافية للأمة.
يقع المتحف في ساحة الخط، وسط الشارقة التاريخية، في منطقة أعادت الإمارة إحياءها ضمن مشروع «قلب الشارقة» لتغدو مشهداً تراثياً يجمع بين العمارة التقليدية والأنشطة الثقافية والفنية، ويمنح هذا الموقع بعداً رمزياً للمتحف، إذ يتحول المكان ذاته إلى جزء من الحكاية التي يرويها الخط العربي، في تجسيد واضح للعلاقة الوثيقة بين العمارة والحرف، وبين الفضاء المادي والبعد الجمالي.
تأسس المتحف ضمن مشروع ثقافي متكامل أطلقته الشارقة للاهتمام بالمتاحف المتخصصة والفنون الإسلامية، ليؤدي دوراً محورياً في تثبيت مكانة الخط العربي بوصفه فناً قائماً بذاته، وليعد أول متحف مكرس بالكامل لفن الخط العربي في العالم العربي.

رسالة

يهدف المتحف إلى الحفاظ على الإرث الحضاري لفن الخط العربي والارتقاء به محلياً وعالمياً، من خلال الجمع بين العرض الفني، والتوثيق التاريخي، وبرامج التدريب والتعليم، كما يسعى إلى تعريف الجمهور من مختلف الفئات العمرية بتطور الخطوط العربية، وأساليب توظيفها الجمالية في لوحات فنية تجمع بين الكلاسيكية والمعاصرة.
ويعد المتحف مرجعاً فنياً وبصرياً للباحثين والمهتمين بتاريخ وأشكال الخط العربي، نظراً لما يضمه من نماذج متنوعة تعكس مدارس الخط من الشرق الإسلامي، والمغرب العربي، والبيئات العثمانية والفارسية، بما ينسجم مع رؤية الشارقة بوصفها «عاصمة للثقافة».
ويعرض المتحف روائع فنية لخطاطين محليين وعرب وعالميين، تتنوع فيها المواد المستخدمة بين الورق والقماش والخشب والسيراميك، ما يمنح الحرف العربي حضوراً متجدداً وقدرة على التكيف مع أسطح وتقنيات مختلفة.
كما تشمل المعروضات لوحات تحمل آيات قرآنية، ونصوصاً أدبية، وحكماً مكتوبة بأنماط خطية متعددة مثل الثلث، والنسخ، والديواني، والتعليق، والمغربي، والكوفي، الأمر الذي يتيح للزائر والباحث فرصة المقارنة الجمالية بين المدارس المختلفة للخط العربي، ورصد تطورها عبر العصور.

تجربة

باعتباره المتحف الوحيد في العالم العربي المخصص بالكامل لفن الخط، يتمتع متحف الشارقة للخط بخصوصية واضحة ضمن خارطة المتاحف الإقليمية. ويخوض الزائر عند دخوله تجربة استكشافية في محراب الجمال والإبداع والأصالة، عبر تتبع مسار تطور الخط العربي من النقوش الكوفية الأولى إلى التجارب المعاصرة التي تمزج الحرف بالعناصر التشكيلية الحديثة.
كما يضم المتحف عرضاً لأدوات الكتابة التقليدية، مثل الأقلام المصنوعة من القصبة، والمحابر، وأنواع الأحبار، والأوراق، بما فيها البردي، في توثيق للبعد المادي للحرفة التي غالباً ما تختفي خلف جماليات اللوحة النهائية.
ولا يقتصر دور المتحف على مجموعته الدائمة، بل يستضيف معارض فنية متخصصة تهدف إلى إطلاع الجمهور على أحدث تجارب الخطاطين، إلى جانب استعادة تجارب كلاسيكية تركت أثراً بارزاً في تاريخ هذا الفن.
وقد نظم المتحف خلال السنوات الماضية معارض تناولت مراحل تطور الخط العربي، وأخرى فردية لفنانين خاضوا تجارب تمزج الخط بالموسيقى أو بالفن المفاهيمي، ما يعكس انفتاح المتحف على قراءات جديدة للحرف.

فعاليات

يولي المتحف الجوانب التعليمية أهمية، من خلال تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية تستهدف الشباب والأطفال والمهتمين من مختلف الأعمار، بهدف اكتشاف المواهب الناشئة وتعزيز علاقة مبكرة بين الأجيال الجديدة والحرف العربي كأداة للإبداع والتعبير.
و يقدم المتحف دورات تخصصية تركز على إتقان خطوط بعينها مثل النسخ، والثلث، والرقعة، والديواني، وهي من أكثر الخطوط العربية حضوراً في العمارة والمطبوعات والمصاحف.
ويشارك المتحف بفاعلية في رزنامة الفعاليات الثقافية الكبرى، مثل يوم اللغة العربية، واليوم العالمي للمتاحف، إضافة إلى مساهمته في مهرجان الشارقة القرائي للطفل، من خلال برامج تعريفية بالخط، في إطار يربط بين الكتاب والحرف والقارئ ضمن منظومة واحدة من القيم الجمالية والمعرفية.
ويأتي متحف الشارقة للخط ضمن شبكة من المتاحف والبيوت التراثية المنتشرة في منطقة قلب الشارقة، كجزء من مشروع ثقافي متكامل يجعل من زيارة المنطقة رحلة ثقافية ثرية، ينتقل فيها الزائر بين الفنون التشكيلية، والخط، والعمارة التاريخية، والحرف التقليدية في فضاء واحد.

المصدر : صحيفة الخليج