الشارقة: علاء الدين محمود
لقد حررت محاولة مقاربة شعار النسخة الراهنة من «مهرجان الفنون الإسلامية»، خيال الفنانين، وجعلتهم ينصرفون نحو ابتكار تكوينات وابتداع تجهيزات ورسم لوحات بطرق مبتكرة تلعب فيها الأطروحات الفكرية دوراً أساسياً، بحيث تختبئ الرؤية الفلسفية وراء الشكل الظاهر، حيث ألهمت ثيمة «السراج»، الكثير من المبدعين في المهرجان على التركيز على أشكال الضوء الساطع منها والخافت والذي يبدو كطيف.
الفنان الأردني عمر درويش، قدم خلال مشاركته في المهرجان، ضمن الأعمال التي قدمت في «مركز التصاميم»، في الشارقة، أطروحات جمالية باهرة عبر تصاميم وتكوينات تجمع بين الأبعاد الجمالية والفكرية، وكان اللافت بعنوان «نجمة في المخزن»، وهو مشروع يقترح تأملاً بصرياً وفكرياً في رمز خالد، ألا وهو «النجمة الثمانية» المتكونة من تداخل مربعين، وتحمل دلالة مهمة تشير إلى الاتجاهات الأساسية للكون.
أراد الفنان أن يلفت الأنظار إلى تلك النجمة وما تحمله من معانٍ روحية سامية، وهي تمتلك تاريخاً في الفن الإسلامي، فبعد أن كانت عنصراً محورياً في الزخارف المعمارية والساحات الرحبة، والقباب المهيبة ونظم التكوين الحضري، لم يبق من هذه النجمة اليوم سوى صدى باهت، أثر جمالي كأنه طيف مستتر في كتل خرسانية، أو مندمج في بلاط المصاعد، أو ملصق على أبواب المرافق، فما كان يوماً إطاراً للنظام المقدس في التصميم، أضحى الآن تلميحاً صامتاً يتلألأ بخفوت في خلفية المشهد المديني للمدن العربية المعاصرة.
والتجهيز الفني الذي أنجزه درويش عمق من حضور النجم من خلال مستودع متخيل يتكون من مخزن وصالة عرض، بحيث تحاكي المساحة المقترحة المنطق الجمالي لمتجر خدمات، أو ربما غرفة خلفية من مبنى بلدية، أو ورشة مقاول، يتواجد فيه هذا النجم بحضور خاص ربما مهمل قليلاً كرمز فريد تكرر حتى غابت ملامحه عن الإدراك.
فهذه النجمة ذات المدلولات المقدسة القديمة، نراها في ذلك المخزن المقترح وقد اندمجت في نسيج المدينة، وتكررت بصمت على قوالب الخرسانة، وأبواب الكهرباء، وشعارات البلديّة، وبلاط المصاعد. ومع ذلك، لم تكتمل يوماً ولم تكن يوماً في مركز المشهد. إذ لطالما طمس منها البعد الروحي بفعل الاستخدام اليومي والاعتياد، لقد كادت النجمة تفقد بريقها الساطع القديم، وذلك لخفوت سلطتها الرمزية، وفي تماه مع روح «السراج»، لا كمصدر للضوء فحسب، بل كبوابة إلى الروح، وحضور يتجاوز الملموس، يعيد هذا المشروع تصوّر النجمة بوصفها إشعاعاً مخزوناً، وذكرى هندسية محاصرة، لا تنطفئ، وإن خَفَت وهجها.
هذا العمل يعبر عن شكل من أشكال البحث الجمالي، فالفنان عمل على التنقيب النقدي في الكيفية التي تسهم بها السرديات غير المدونة، والتاريخ الشفهي، والطبقات الحضرية المهملة.
كتب منسية
الفنانة التشيلية كاتالينا سوينبورن، أنعشت الذاكرة الجمعية بسرديات تنقب في أزمنة سحيقة، حيث شاركت في المهرجان، من خلال ابتكار صور الكتب المنسية بوصفها فضاءً للهجرة والذاكرة والمعرفة. وتكشف اختياراتها الماديّة عن سرديات الشتات، وانتقال الإرث الثقافي، وإمكانات للمعرفة المتحرّكة. تنبني أعمالها على مفهوم القابلية للنقل، لا في بعدها المائي وحده، بل في بعدها المفاهيمي أيضاً، فكرة ضاربة في عمق التاريخ، لكنّها تنفتح في الوقت نفسه على تحوّلات العالم المعاصر.
وتعلن الفنانة عن براعتها الفنية من خلال علمها اللافت «بوابة التنوير»، وهو بمثابة رحلة تأملية في النصوص المقدسة التي تخطت الزمان والمكان، وهذه القطعة الفنية البديعة صممت خصيصاً للمهرجان، واستلهمت من مخطوط للقرآن الكريم يعود إلى السلطان أبي الحسن علي بن إسماعيل المغربي، مؤرّخ سنة 1735، ومحف وظ في متحف الشارقة للحضارة الإسلامية.
ويعرف هذا المخطوط بورقه الأخضر الزاهي، وزخرفته المتقنة بورق الذهب، بما يعكس تبجيل السلالة «المرينيّة»، أي تلك السلالة الأمازيغية البربرية من قبائل «زناتة» التي حكمت المغرب الأقصى بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين.
وتنقل الفنانة سوينبورن هذا الإرث في عملها، عبر جلد منسوج يدوياً، مصبوغ بالأخضر الداكن، ومحفور بنقوش ذهبية تستدعي تقاليد تجليد الكتب القديمة، حيث يتحول العمل إلى فسحة مقدّسة تتجلّى فيها العناصر الروحية، من خلال الحضور الحسّيّ والسكون، وتعزّز القطعة هذا التأمل عبر التكرار، والصمت، وفعل الخلق الطقسيّ.
المصدر : صحيفة الخليج
