ينحت الفنان بقوة خياله طرقاً ودروباً نحو أزمنة في الماضي والعصور البعيدة، يقدم مقترحات جمالية، ويبين عبر الألوان وضربات الفرشاة والزخارف، كيف كان شكل الحياة، وكيف كانت تسير الوقائع اليومية، إنه رصد للحضارة وتنقيب في التراث، ولعل اللافت في مثل هذه المقترحات الإبداعية أنها تشرك المتلقي بقوة في العمل والتكوين الفني الذي يخاطب الوجدان ويربط بين إنسان اليوم وتاريخه، فالمشاهد يجد نفسه داخل تفاصيل العمل وبين ثنايا فكرته.
الفنانة الإماراتية عائشة السويدي من التشكيليين والفنانين الذين يجيدون ذلك التنقل في الزمان والمكان والسفر نحو تواريخ مختلفة في تنقيب مبدع عن التراث وحفاظاً على الهوية الوطنية، لذلك كان لعائشة العديد من الأعمال التي تغوص عميقاً في البيئة الإماراتية والخليجية من خلال مفرداتها المختلفة من بحر وصحراء وسهل وجبل، والممارسات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بتلك البيئة، وكذلك المهن والأعمال التي عرفها الناس والتي تقدم إضاءات عن كيفية الحياة التي سادت في وقت سابق، فهذه الأعمال بمثابة انتماء روحي للتراب والأرض والوطن والتاريخ، لذلك فإن التعبير عن عوالمها يكون من خلال دفق وجداني، حيث تشرك الفنانة عواطفها ومشاعرها في إنجاز القطع الفنية المختلفة.
أثر
كان لعلم النفس الذي تخصصت فيه الفنانة، أثراً عميقاً في لوحاتها وتكويناتها الفنية من خلال القدرة على إنجاز إبداعات قادرة على انتزاع التفاعل من قبل المشاهد، وكذلك من خلال توظيف الفنانة لألوان معينة لها الغلبة في كثير من اللوحات مثل الأزرق الذي ينتمي إلى البحر الذي عاشت بقربه في طفولتها، أو الأصفر كلون الصحراء التي هي من مفردات وتكوينات البيئة الإماراتية والخليجية، وغير ذلك من الألوان والأدوات التي تستخدم في البناء الهندسي والمعماري للعمل الفني، إضافة إلى أن الفنانة تقوم، عبر اللوحات، بعملية تفسير نفسي وروحي للماضي وعناصر التراث المختلفة التي تحضر بكثافة في أعمالها والتي تدخل فيها الزخرفة كذلك بصورة مكثفة.
ولعل من أبرز تلك الأعمال مجموعة من اللوحات اللافتة للفنانة والتي شاركت بها عائشة في كثير من المناسبات، تلك التي تحمل ثيمة الوطن بعنوان «حضارة وطن»، والتي تنقب في جماليات الزخارف وتوظيفها في اللوحات والتكوينات الفنية، وهي أعمال تنتمي إلى متاحف الدولة المختلفة، وتعكس ملامح جمال القطع الأثرية بتفاصيلها الدقيقة وأشكالها اللافتة الموجودة في متاحف الإمارات، وتمثل حضارات وعصوراً مختلفة.
عبق
ومن ضمن هذه الأعمال في مجموعة «حضارة وطن»، تبرز لوحة زخرفية لإناء أو دلة أو إبريق ينتمي إلى حضارة قديمة، وهو من الأدوات التي يستخدمها المرء في حياته اليومية، ولعل المشاهد يجد أن ذات الإبريق يستخدم بشكل أكثر حداثة ضمن الأدوات الإماراتية اليوم، وكأن العمل الفني يرصد مسيرة تطور هذا الإبريق من شكله القديم إلى الحديث بصورة فيها الكثير من الجهد الإبداعي، فحتى المعدن الذي صنع منه الإبريق القديم لا يبدو أنه ينتمي إلى لحظتنا المعاصرة ما يشير إلى أن العمل يحاكي قطعة أثرية، ولعل تشابه تلك القطعة مع أدوات شرب الشاي والقهوة اليوم يخلق مساحة وجدانية كبيرة بين العمل والمتلقي تعينه في عملية التأويل والتفسير للمعاني والدلالات.
إلهام وتجسيد
العمل ينتمي بشكل أساسي، إلى الرؤية وربما المشروع الفني لعائشة السويدي، التي تخصصت بجدارة كبيرة في إبراز جماليات التراث الإماراتي، والتنقيب عنه في الحضارات القديمة المختلفة، حيث صارت هذه الأيقونات ضمن رموز الدولة الدالة على رسوخ الهوية والتراث، ولعل الملاحظ لأعمال عائشة السويدي، ذلك الوله الكبير بالأيقونات التراثية، فبالإضافة إلى أن أعمالها هذه في «حضارة وطن»، المستوحاة من القطع الأثرية الموجودة في متاحف الدولة، نجد كذلك أن للفنانة اهتماماً خاصاً بجماليات تراثية أخرى وخاصة طوابع البريد التي تحضر في مشهد العديد من لوحاتها وتكويناتها.
المصدر : صحيفة الخليج
