«ساعات.. ساعات».. الإنسان في فخ ضجر التكرار

«ساعات.. ساعات».. الإنسان في فخ ضجر التكرار

تجسد رواية «ساعات..ساعات» للكاتب السوري إسلام أبو شكير، تجربة سردية تتجاوز الخطية الزمنية التقليدية لتستقر في فضاء الوعي الملتبس والإحساس بالتكرار الرتيب. يضع أبو شكير قارئه أمام عالم رمادي عصي على التحديد، حيث يذوب الفرد في شبكة تشابهات تكشف هشاشة الهوية وأزمة الحرية الداخلية، بعيداً عن الحبكات الدرامية المباشرة، الرواية صدرت عن دائرة الثقافة في الشارقة عام 2025، ضمن سلسلة إبداعات عربية، وجاءت في 100 صفحة من القطع المتوسط مقسمة إلى 5 فصول.

عند مقاربة الرواية ومنذ صفحاتها الأولى، يتبدى للقارئ نص يتشكل كفضاء سردي يدعو إلى التورط في داخله، تتراجع بنية التشويق التقليدية القائمة على سؤال: «ماذا سيحدث بعد ذلك؟»، لصالح سرد أكثر إرباكاً يدور حول سؤال راهن «ماذا يحدث الآن؟»، بما يحول الرواية من رصد للأحداث إلى تشييد لبنية شعورية أو بتعبير أدق، إلى حالة نفسية ممتدة، يتكشف للقارئ تدريجياً أن هذه الحالة ليست غريبة تماماً عنه، إذ تحاكي الرواية لحظات معيشة سابقة أغفلنا الانتباه إليها، لحظات يغدو فيها العالم أقل وضوحاً وأكثر اقتراباً من صورة باهتة لذاته، بما يرسخ انشغال النص باستقصاء الوعي بدرجة كبيرة.

تفاصيل

يختار أبو شكير أن يضع قارئه ضمن هذا الفضاء الملتبس فلا تستقر ملامحه، فلا هو واقع خالص يمكن الركون إلى قوانينه، ولا هو عالم غرائبي مكتمل الضوابط، بل منطقة رمادية عصية على التحديد، يتعذر الإمساك بجوهرها بسهولة، يتجلى هذا الالتباس في بناء شخصية البطل الذي يرى انعكاساته في الآخرين، وفي هوسه برصد أدق التفاصيل إلى حد إحصاء كل ما يحيط به، ثم التوغل في تفاصيل الاختفاء، سواء تعلق الأمر باختفاء شخص أو بتبدد إحساس وافتقاد شيء ما.
وعلى الرغم من هذا المنحى الغرائبي في السرد، ينجح الكاتب في إبقاء القارئ داخل مدار الحدث، عبر تقديم صورة واضحة لانكسار داخلي عميق، بحيث تبدو الرواية أقل انشغالاً بكيفية حدوث الأشياء وأكثر اهتماماً بما يطرأ من تحولات في الداخل الإنساني بعد وقوعها، ليغدو البحث عن الآخر في نهاية المطاف أحد تمظهرات البحث عن الذات.
العنوان «ساعات.. ساعات»، يحمل دلالة تتجاوز كونه توصيفاً زمنياً، إذ يحمل منذ الوهلة الأولى إحساساً بالتكرار الممل، أو بالدوران في حلقة مغلقة، زمن لا يقود إلى نهاية، ولا يفتح أفقاً جديداً، وإنما هو إعادة إنتاج اللحظة ذاتها بملامح متشابهة، حتى أن القارئ يشعر بأن هذا الزمن لا يتقدم بقدر ما يراوح مكانه، أو يتظاهر بالحركة، ومن هنا، لا تتراكم الأحداث كما هو متوقع، ولا تنمو الشخصية وفق مسار تقليدي، بل تظل تدور حول نقطة داخلية واحدة، كأنها عاجزة عن مغادرتها.

لغة

يتبدّى تعامل أبو شكير مع السرد في الرواية كفعل اختبار لمتانة عالم الرواية، فالنص لا يسعى إلى إرساء بنية حكائية متماسكة، بقدر ما يشتغل على كشف درجة هشاشته الداخلية، حيث تقوم اللغة بزعزعة اليقين وإشاعة شعور بعدم الاطمئنان، لذلك تأتي الجمل في مواضع عديدة مقتضبة أو متقطعة، بما يوحي بأن النص نفسه غير مطمئن إلى ما يصرح به، فيما يغيب الإسهاب الوصفي والشروحات المفسرة لصالح تبسيط لغوي يكرس فكرة أن العالم، كما يعاد تشكيله روائياً، لم يعد مستقراً أو مفهوماً بما يكفي ليشرح بطمأنينة.
أما الشخصية الرئيسية فيقدمها المؤلف دون طلب صريح لتعاطف القارئ وفق النماذج السردية التقليدية، بل يتركها تتحرك داخل عالم يبدو مألوفاً في ظاهره، لكنه ملبد بإحساس خفي بعدم الارتياح، ويتجلى هذا الاضطراب في تشابه الوجوه، وتكرار الأمكنة، وتحول التفاصيل اليومية إلى عناصر تفتقد إلى التميز، بحيث يطرح هذا التشابه في الرواية كعبء نفسي ثقيل، وكأن النص يلمح إلى أن الخطر لا يكمن في تشابه البشر، بل في الاعتياد المفرِط على هذا التشابه إلى حد تبلد القدرة على الإحساس بالاختلاف، بما يفضي إلى نوع من العمى حيال ما يميز الذات والآخر على السواء.
في هذا الأفق، تقارب الرواية سؤال الهوية من دون أن تحيله إلى شعار نظري، فالهوية لا تطرح هنا موضوعاً مصرحاً به، قدر ما تحضر كهاجس ملازم للبنية السردية ولحركة الوعي داخل النص، تتبدى الإشكالية في ما يتبقى من الفرد حين يغدو قادراً على رؤية انعكاساته في الآخرين، وفي مدى إمكان الوثوق بصورة الذات عندما تصبح قابلة للاستنساخ والتماثل على نحو مقلق، فلا تصاغ هذه الأسئلة في هيئة تأملات صريحة، لتترك تتسرب بخفة عبر طبقات الإحساس، في قلق خفيف وفي شعور متكرر بأن هناك خللاً طفيفاً في ترتيب العالم، في شيء ما في غير موضعه، حتى وإن استعصت تسميته أو ضبط حدوده لغوياً.

حبكة

يبدو واضحاً أن الرواية لا تسعى إلى تلطيف هذا التوتر السردي الداخلي، أو تقديم تفسير حاسم له، ولا تقدم للقارئ يقيناً مطمئناً يريح الذات، فيتجلى صدق النص الأعمق، إذ يعكس تجربة لإنسان يتنقل في عالم يبدو متماسكاً ظاهرياً، ولكنه يفور اضطراباً من الداخل، عالم تتكرر فيه الأيام، وتتشابه الوجوه، وتتحول الحياة إلى روتين.
كما أن الرواية لا تسعى إلى تقديم نقد اجتماعي مباشر، لكنها تلمح بوضوح إلى أزمة أعمق، تتعلق بالفرد داخل مجتمع يعيد إنتاج نفسه بشكل مكرر، والمجتمع هنا ليس محدد الملامح، وإنما شبكة من التشابهات التي يذوب الفرد فيها تدريجياً.
ويبقى اختيار أبو شكير، لسردية غير معتادة في غياب حدث مركزي واضح، حيث تستقر على حالة نفسية ممتدة، بعيدة عن الحبكة التقليدية التي يتوقعها القارئ، لذلك قد يربك هذا البنيان بعض القراء المنتظرين لتسارع الأحداث، وتراكم الوقائع لكنه يكسب النص فرادته الخاصة وعمقه الفني، فهي رواية تقرأ لاستكشاف خباياها واكتشاف طبقاتها حيث يتشكل معناها تدريجياً في وعي القارئ النشط والمتفاعل.
يمكن القول إن رواية «ساعات.. ساعات» لم تكتب عن الزمان بمعناه الخارجي المادي، بقدر ما هي عن الإحساس الذاتي بالزمان كتجربة داخلية عميقة، إنها تصوير دقيق لإنسان محاصر بتشابه لا يملك تفسيراً مقنعاً له، يحاول بوعي أو بدونه استعادة صوته الخاص والمميز في عالم يطالبه بالتحول إلى نسخة من غيره فاقدة للهوية الأصلية.

* اقتباسات
– «ثم أغلق الباب بصرير ذي نغمة مختلفة، بدا معها كأنه يحبس شيئاً خلفه، عالمان قطع الباب الموصود كل خيوط التواصل بينهما، فلا عودة».
– «لم تعد المدينة كما كانت صباحاً، تغيرت جذرياً، يكاد خروجي الآن ألا يكون من مخفر، أو من مكان، بل من شق دقيق في جدار يفصل بين زمنيين».
– «توقف عن المشي، ثم استدار نحوي.. كانت آخر آثار نوبة الضحك في وجهه قد تبددت، وتحولت ملامحه إلى كتلة بليدة باردة خالية من أي روح».

المصدر : صحيفة الخليج

وسوم: