علي الحمادي.. الكوفي ميزان الخطوط

علي الحمادي.. الكوفي ميزان الخطوط

يعد الخط العربي أحد أرفع الفنون البصرية التي ابتكرها الإنسان، بما يتميز به من جماليات تركيبية وحسية تمثل تفاعلاً ساحراً بين الشكل والمضمون، حيث نجد في كل حرف مرونة وتناغماً يتيح تشكيله في أنماط تشكيلية متنوعة، ما أضفى عليه طابعاً فنياً يتجاوز حدود نقل المعنى إلى التعبير عن العمق الروحي والإنساني، وهو فن سامي جسد عبر القرون سمو الروح الإنسانية، حيث يوظف الخطاطون من خلاله حسهم الجمالي الذي يمنح الحروف قوة تعبيرية ترتقي بالمتلقي إلى تأمل المعاني الروحية خلف الكلمات.
اللوحة التي نتأملها للخطاط علي الحمادي، والتي خط فيها الآية الكريمة من سورة مريم: «ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداً»، ويجمع فيها بين الحرف القرآني بوصفه معنى سامياً، وبين التكوين التشكيلي للحرف العربي في بناء بصري متكامل.

توازن

لعل ما يلفت الانتباه في هذه اللوحة هو التوازن الهندسي الذي اعتمده الفنان في بناء التكوين البصري، فقد اتخذ من الخط الكوفي المربع إطاراً يحيط بالنص، كرمز للإحاطة الإلهية والثبات، إذ جاء الإطار، الممتد بخطوط مستقيمة وزوايا قائمة، يعكس النظام والدقة والصرامة البصرية، وهو من أبرز سمات الكوفي المربع، وداخل هذا الإطار الهندسي، تتوزع عناصر اللوحة في إيقاع بصري يخلق توازناً لافتاً يعزز الإحساس بالقداسة والرفعة بشكل يتماهى مع جوهر الآية.
نفذ الحمادي نص الآية بخط الكوفي الفاطمي الممزوج بعناصر من خط النسخ، ما أضفى مرونة وانسيابية على الحروف مع الحفاظ على مهابة التكوين العام، ولعل هذا المزج بين الالتزام الهندسي للكوفي، والليونة التعبيرية للنسخ، أراد به الفنان التعبير عن رؤيته التي تجمع بين الحرف بوصفه بنية معمارية، والمعنى القرآني بوصفه طاقة روحية ناطقة، فبين الزاوية والخط المنحني داخل تكوين اللوحة، يتشكل حوار بين الدقة والتعبير، بين العقل والروح.
ومن الوهلة الأولى يلفت النظر حرف «و» باللون الأحمر في منتصف اللوحة، والذي يمثل نقطة ارتكاز بصري في التكوين، وكأنه نواة الحركة التي تنبثق منها بقية الحروف والكلمات، ويحيط بهذا الحرف زخارف نباتية ذهبية تتخذ شكل أوراق متمايلة، ما يذكرنا بفن التذهيب الإسلامي التقليدي العريق، والذي استخدم في المصاحف المخطوطة على وجه الخصوص، كما ويعكس عناية الفنان بالتفاصيل الجمالية التي تحمل طابعاً ثقافياً تراثياً.

تناظر

تتميز هذه اللوحة بوجود تناظر بصري جذاب بين الجانبين الأيمن والأيسر، نلاحظه في التكوين القوسي شبه الدائري المتشكل من امتدادات حروف الألف في كلمات «الباقيات» و«الصالحات»، في رمزية تشير إلى الدخول في عالم من روحانية الهداية والنور، وداخل هذا التكوين، تظهر عقدة زخرفية من الطراز الإسلامي القديم، تتقاطع فيها الخطوط لتشكل ترابطاً وتكاملاً بين الكلمات، وكأنها استعارة بصرية للهداية التي تزداد وتترابط في قرارة النفس.
ونلاحظ أن الحمادي استخدم تدرجات منضبطة في سماكة الخطوط وتوزيع المساحات البيضاء مع الخلفية ذات اللون الرملي، لتكون الخلفية أشبه بصفحة من مخطوطة، ما يربط اللوحة بجذور الخط العربي التقليدي مع البنية الهندسية القريبة من الروح المعاصرة للفن الإسلامي، وهذا الجمع بين الأصالة والمعاصرة هو إحدى أبرز سمات هذه اللوحة.
التحديد البصري الذي شكله الإطار الخارجي المكون من تسبيحات بالخط الكوفي المربع، في رمزية عذبة للإحاطة بمعنى للآية، وهو يذكرنا بالنقوش الكوفية التي كانت تزين جدران المساجد والمآذن، ما يعزز حضور البعد المعماري في العمل، ويمنحه طابعاً مهيباً يجمع بين العمق الإيماني والبناء التشكيلي، ليتحول الحرف إلى معمار بصري، يجمع بين الموروث الثقافي لخطوط الفاطمي والكوفي والنسخ في تآلف متقن، ضمن رؤية فكرية وجمالية، ترى في الحرف العربي وسيلة للتعبير عن الهداية والنور الإلهي، وعن استمرارية الجمال الإسلامي في صيغة معاصرة تنطق بالروحانية والاتزان.

إضاءة

علي الحمادي فنان إماراتي، حاصل على لقب «سفير الخط العربي» لعام 2020، تقديراً لإسهاماته في نشر هذا الفن، بدأ شغفه بالخط العربي منذ المرحلة الإعدادية، وتعلم أنواعه المختلفة مثل الكوفي والديواني والرقعة من خلال الممارسة الذاتية، كما أنه درس في مركز الشارقة للخط، وتخصص في الكوفي، والزخرفة الإسلامية، والتذهيب، وفنون تقهير الورق، وهو عضو في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وشارك في العديد من المهرجانات والمعارض داخلياً وخارجياً.

المصدر : صحيفة الخليج