يتصاعد “الصدام” بين الجزائر وفرنسا خلال وقت راهنت عدة أطراف على صمت قد يطبع العاصمتين موقتاً تمهيداً لبداية رحلة التهدئة، إذ أقرت باريس أمس قيوداً على حركة ودخول الأراضي الوطنية تطاول بعض الشخصيات الجزائرية، ليأتي الرد اليوم من الجزائر التي قالت خارجيتها إن هذه التدابير لن يكون لها أي تأثير في الجزائر، بل على العكس سترد على أي إجراء يضر بمصالحها.

إجراءات “انتقامية”

وبعد تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو ووزير داخليته برونو روتايو إثر الاعتداء الإرهابي الذي شهدته إحدى مدن شرق فرنسا والذي يشتبه في جزائرية أصول منفذه، والتي جاءت تنتقد الجزائر بشدة، هدد وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو بأن بلاده أقرت “قيوداً على حركة ودخول الأراضي الوطنية تطاول بعض الشخصيات الجزائرية”، وأن فرنسا مستعدة “لاتخاذ مزيد من القيود في حال لم يستأنف التعاون الفرنسي الجزائري في هذا المجال”.

وأشار بارو إلى أن هذه الإجراءات اتخذت من أجل تعزيز أو الدفاع عن مصالح الفرنسيين، متحدثاً عن قضايا عالقة مثل احتجاز الكاتب بوعلام صنصال المسجون داخل الجزائر، أو استعادة الجزائريين الموجودين في وضع غير نظامي. وقال “لكنني سأفعل ذلك عن دراية ومن دون الإعلان عنه بالضرورة”، مشدداً على أن رفض الجزائر استقبال مواطنيها الذين طُردوا من فرنسا أمر غير مقبول، وبخاصة عندما يؤدي ذلك إلى مآس.

تعدد التصريحات والتهديدات الفرنسية

وأكد رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو، على خلفية الهجوم الإرهابي الذي أوقع السبت الماضي داخل مدينة مولوز قتيلاً وخمسة جرحى ونفذه بواسطة سكين مهاجر غير نظامي جزائري، أنه “عُرض على السلطات الجزائرية 10 مرات لكي يوافق وطنه الأصلي على أن نعيده إليه، لكن في كل مرة من هذه المرات الـ10 كانت الإجابة تأتي بالنفي”، مشدداً على أن هذا الموقف “غير مقبول”.

وصرح وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو بأن منفذ هجوم مولوز جزائري يبلغ من العمر 37 سنة، ووصل بطريقة غير شرعية إلى فرنسا عام 2014، وقضى أخيراً عقوبة السجن بتهمة تمجيد الإرهاب، وتابع أن الوقت حان الآن لإعداد واتخاذ القرارات حتى تعي الحكومة والسلطات العامة الجزائرية تصميم فرنسا.

بينما دعا وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى إلغاء الاتفاق المبرم مع الجزائر عام 2013، الذي يسمح للنخبة الجزائرية بالسفر إلى فرنسا من دون تأشيرة، وأوضح أن هذا الإجراء لن يكون له تأثير في “الـ10 في المئة من مواطنينا الذين تربطهم روابط دم وأرض وثقافة بالجزائر”.

ومن جانبها، أكدت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية صوفي بريما أن باريس تدرس اتخاذ تدابير انتقامية ضد الجزائر، من بينها خصوصاً فرض قيود على التأشيرات، مبرزة أن بلادها تعمد أيضاً إلى استهداف عدد معين من الأشخاص المهمين في العلاقات الفرنسية – الجزائرية، والتوقف عن منحهم تأشيرات.

الجزائر: لن نرضخ وسنرد على أي إجراء يضر بمصالحنا

وفي حين تجاهلت الجزائر تصريحات المسؤولين الفرنسيين التي أعقبت الاعتداء الإرهابي وكذا التي تأتي في سياق الضغط بورقة الهجرة أو التأشيرات، إلا أنها لم تترك حديث وزير خارجية باريس يمر مرور الكرام، وأصدرت خارجيتها بياناً يكشف عن التصعيد المتنامي بين البلدين الذي يبدو أنه بلغ حد التهديد المتبادل، وأوضحت أن الإعلان عن هذه الإجراءات التي لم تُبلغ الدولة الجزائرية بها يمثل حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الاستفزازات والتهديدات والمضايقات الموجهة ضد الجزائر، غير أن “هذه التدابير لن يكون لها أي تأثير في بلادنا التي لن ترضخ لها بأية صورة من الصور، بل على العكس سترد الجزائر على أي إجراء يضر بمصالحها بتدابير مماثلة وصارمة وفورية”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضحت بالقول “لقد صارت الجزائر على ما يبدو محط مشاحنات سياسية فرنسية – فرنسية يسمح فيها بكل أنواع المناكفات السياسية القذرة، في إطار منافسة يحرض عليها ويوجهها ويأمر بها اليمين المتطرف”، مضيفة أن هذه الحركية التي تستدرج في سياقها، ليس فقط القوى السياسية الفرنسية بل أيضاً أعضاء الحكومة الفرنسية، سيكون لها عواقب غير محسوبة على جميع جوانب وأبعاد العلاقات الجزائرية – الفرنسية.

“لا خير إلا في التوافق”

ويعيش المشهد بين الجزائر وفرنسا حال شد وجذب لم تعد خافية، بل باتت تنذر بتطورات غير معلومة في ظل خطاب التهديد والوعيد، مما يفتح أبواب التساؤلات حول السيناريوهات المحتملة لمستقبل علاقات البلدين، إذ يقول الإعلامي الفرنسي المهتم بالشؤون السياسية آلان جوردان في تصريح لـ”اندبندنت عربية” من جنيف، إن تصريحات وزير الخارجية الفرنسية تندرج في سياق استعراض القوة بين الجزائر وفرنسا، مشدداً على أن كل ما يحدث هو جزء من الضغط والابتزاز والمساومة المتبادلة من كلا الجانبين.

وأوضح أن الأكيد والضروري هو أن الجزائر وفرنسا في نهاية الأمر مدعوتان للتوافق، لأنه من المستحيل البقاء في وضع كهذا، فهما “تعيشان في نفق مظلم، ولا رابح في الأزمة بل الجميع خاسر”.

ويتابع جوردان أنه على الشخصيات الثقيلة والعقلاء من الجزائر وفرنسا أن يبادروا بمحاولات تهدئة، موضحاً أن الجميع يعلم أن من أشعل فتيل الأزمة هو اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء الغربية، وهو ما كان يمكن تجنبه من خلال عدم تناول الملف في علاقات البلدين عبر اللجوء إلى دبلوماسية ذكية، وأضاف أن الوضح الحالي لا يتقبله الشعبان الجزائري والفرنسي وليس في صالحهما لأن ما يجمع الطرفين أكبر مما يفرقهما، وختم بأنه حان الوقت لطي الملفات العالقة وبخاصة ما تعلق بالذاكرة، على اعتبار أن الجيل الجديد في الضفتين يطالب بالسير نحو الأمام بعيداً من عراقيل الماضي.

“لا يبدو أن الأمور قد تتطور بصورة درامية”

في المقابل، يرى المتخصص في علم الاجتماع السياسي مصطفى راجعي خلال تصريح لـ”اندبندنت عربية” أن فرنسا منقسمة سياسياً بين عدة أطياف من اليمين المتطرف بقيادة لوبان، والجمهوري بزعامة وزيري الخارجية والداخلية، والديغولي الذي يتصدره دوفليان، وهناك اختلاف المقاربات في التعامل مع موضوع الهجرة غير الشرعية والعلاقة مع الجزائر، وأمام هذا الوضع تفضل الحكومة الجزائرية التيار الديغولي واليسار الاشتراكي.

وقال راجعي إنه يجب فهم تصريحات وزيري الخارجية والداخلية في سياق البحث عن الموقف الأكثر استجابة وتلبية للجمهور الفرنسي الحساس لمسائل الهجرة والأمن، وبخاصة أن موعد رئاسيات 2027 اقترب واليمين يبحث عن فارس لتمثيله والفوز بها، مشيراً إلى أن هذه المواقف تتم في غياب الرئيس ماكرون المشغول بعلاقة الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة.

ويواصل راجعي أن الأمور بين الجانبين لا يبدو أنها قد تتطور بصورة درامية، لكن “أرى أن هذه التصريحات الفرنسية على ما فيها من تهديد تعد فرصة لبدء حوار حول كل القضايا العالقة”، بما فيها المتعلقة بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، لأن هناك اتفاقات ثنائية وأخرى دولية في هذا الموضوع، غير أن هناك جدلاً حول التطبيق والفهم، مضيفاً أنها خلافات بسيطة تعكس أزمة عميقة تحتاج إلى حوار عميق، وختم بأنه “في الجزائر نتمنى أن يتولى شخص مثل دوفيلبان دوراً في الوساطة بين البلدين، أو يتولى بنفسه قيادة فرنسا بعد ماكرون من أجل علاقات دون تشنجات”.

نقلاً عن : اندبندنت عربية