كشفت دراسة علمية حديثة عن دور مهم للبكتيريا النافعة في أمعاء الأطفال، حيث أشارت إلى أنها قد تساهم في تقليل خطر الإصابة باضطرابات النمو العصبي الشائعة، مثل التوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. هذه النتائج، التي نشرها موقع “SciTechDaily”، تفتح آفاقًا جديدة لتطوير طرق وقائية مستقبلية تركز على صحة الجهاز الهضمي منذ المراحل الأولى من حياتنا.
يؤكد الباحثون أن هذه الكائنات الدقيقة لا تقتصر وظائفها على الهضم وتقوية المناعة فحسب، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على نمو الدماغ وتطوره العصبي، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل، وهي فترة حساسة جدًا لنمو الجهاز العصبي بشكل سليم.
كيف أُجريت الدراسة؟
اعتمدت هذه الدراسة الشاملة على تحليل عينات دقيقة لعدد كبير من الأطفال. فقد عمد الباحثون إلى تحليل عينات دم من الحبل السري لـ 571 طفلًا، بالإضافة إلى دراسة ميكروبيوم الأمعاء لدى 969 رضيعًا خلال عامهم الأول. كما تم متابعة تطورهم السلوكي والعصبي بشكل دقيق حتى بلوغهم سن الثالثة.
أظهرت النتائج أن وجود أنواع معينة من البكتيريا المفيدة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانخفاض ظهور المؤشرات المرتبطة بالتوحد وفرط الحركة. هذا الارتباط كان واضحًا بشكل خاص لدى الأطفال الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة بهذه الاضطرابات.
أوضح فريق البحث أن تأثير البكتيريا النافعة قد يمتد ليشمل ما يُعرف بـ “التعديلات اللاجينية”. هذه التعديلات هي عمليات تتحكم في نشاط الجينات داخل جسم الإنسان، وبالتالي يمكن أن تنعكس على الطريقة التي ينمو بها الدماغ ويعمل بها الجهاز العصبي ككل.
عوامل مؤثرة في صحة الأمعاء وتأثيرها
لم تتوقف الدراسة عند هذا الحد، بل أوضحت أن طريقة ولادة الطفل تؤثر بشكل كبير في تكوين البكتيريا النافعة داخل الأمعاء. فمثلاً، يختلف تكوين الميكروبات لدى الأطفال الذين يولدون ولادة طبيعية عن أولئك الذين يولدون عن طريق العمليات القيصرية.
أشار الباحثون أيضًا إلى أن الرضاعة الطبيعية واستخدام المضادات الحيوية خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل لهما تأثير واضح على توازن البكتيريا داخل الأمعاء. هذه العوامل قد يكون لها تأثير طويل المدى على الصحة العصبية للأطفال، مما يؤكد أهمية الحفاظ على هذا التوازن الدقيق.
شدد العلماء على أن الحفاظ على التوازن الصحي لميكروبات الأمعاء قد يصبح مستقبلًا جزءًا أساسيًا ومهمًا من خطط الوقاية المبكرة من بعض اضطرابات النمو العصبي.
البروبيوتيك: هل هي وسيلة وقائية مستقبلية؟
يرى الباحثون أن هذه النتائج الواعدة قد تساهم في المستقبل في تطوير وسائل وقائية جديدة. هذه الوسائل قد تعتمد على التغذية الصحية السليمة، أو استخدام مكملات البروبيوتيك، وذلك بهدف تحسين صحة الأمعاء وتقليل خطر الإصابة بالتوحد أو فرط الحركة لدى الأطفال.
ومع أن هذه النتائج تفتح آفاقًا واسعة، إلا أن فريق الدراسة أكد أن الأمر ما زال يتطلب المزيد من الأبحاث والدراسات المتقدمة. الهدف هو التأكد من العلاقة المباشرة بين بكتيريا الأمعاء وهذه الاضطرابات بشكل قاطع، مع إدراك أن التوحد وفرط الحركة يتأثران بعوامل وراثية وبيئية متعددة ومعقدة للغاية.
يختتم الباحثون بالقول إن فهم العلاقة المعقدة بين الدماغ والأمعاء قد يساعد مستقبلًا في وضع استراتيجيات جديدة ومبتكرة. هذه الاستراتيجيات ستكون موجهة لدعم صحة الأطفال العصبية منذ الأيام الأولى بعد الولادة، مما يمهد لمستقبل صحي أفضل لأجيالنا القادمة.

تعليقات