تتجه وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) نحو تحقيق قفزة نوعية في استكشاف الفضاء وبناء المستوطنات البشرية خارج الأرض، عبر خطة طموحة لوضع مفاعلات نووية على سطح القمر بحلول عام 2030. يأتي هذا التحول الاستراتيجي نتيجة لإدراك الوكالة بأن الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة التقليدية الأخرى لن تكون كافية لدعم الوجود البشري المستدام على المدى الطويل على سطح القمر أو الكواكب الأخرى مثل المريخ.
الخطة جزء من مشروع «الطاقة السطحية الانشطارية» التابع لناسا، الذي يهدف إلى إطلاق مفاعل متوسط الطاقة في مدار القمر بحلول عام 2028، تمهيدًا لنشره على السطح بعد ذلك بعامين. ويعكس هذا التوجه الجديد رؤية مستقبلية تتجاوز القيود الحالية التي تفرضها البيئات الفضائية القاسية.
تحديات الطاقة الشمسية في البيئة القمرية
تُعدّ الليالي القمرية الطويلة، التي تستغرق الواحدة منها حوالي 14 يومًا على الأرض، أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا التحول. فخلال هذه الفترات، لا يمكن للألواح الشمسية توليد الطاقة، كما تفتقر البطاريات الحالية إلى السعة الكافية لتزويد قاعدة كاملة بالطاقة اللازمة خلال فترات الظلام والبرد الشديد. علاوة على ذلك، فإن الاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية يحد من قدرة برامج الاستكشاف مثل مهمات «أرتميس» على الوصول إلى المناطق المظللة بشكل دائم، خصوصًا القطب الجنوبي للقمر الذي لا يرى ضوء الشمس أبدًا، ولكنه يحتوي على احتياطيات قيمة من جليد الماء الضروري للحياة والعمليات الفضائية.
مزايا الطاقة النووية والدفع الفضائي
في المقابل، توفر المفاعلات النووية طاقة وفيرة ومستمرة لسنوات عديدة من خلال الانشطار النووي، بغض النظر عن الظروف الجوية أو ضوء الشمس أو الموقع على سطح القمر. هذه الموثوقية والثبات حاسمة لدعم العمليات الحيوية والبحث العلمي دون انقطاع. ولا يقتصر دور الطاقة النووية على توفير الكهرباء والتدفئة للمستوطنات فحسب، بل يمكن للدفع الكهربائي النووي أيضًا أن يُسهم في مساعدة المركبات الفضائية على تنفيذ مهام معقدة وطويلة الأمد دون التعرض لخطر نفاد الوقود.
تعاون مشترك ورؤية مستقبلية
لتحقيق هذا الهدف الطموح، ستتطلب ناسا توحيد الجهود مع كل من وزارة الطاقة الأمريكية ووزارة الدفاع. وقد أصدر مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا التابع للبيت الأبيض بالفعل مبادئ توجيهية جديدة للوكالات الفيدرالية لوضع خارطة طريق شاملة لتكنولوجيا الفضاء النووية. وفي هذا الصدد، صرح مدير وكالة ناسا، جاريد إسحاقمان، عبر منصة «إكس» قائلًا: «لقد حان الوقت لأمريكا أن تبدأ في استخدام الطاقة النووية في الفضاء». كما أكد مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا أن «الطاقة النووية في الفضاء ستمنحنا الكهرباء والتدفئة والدفع المستدام الضروري للتواجد الدائم على القمر والمريخ وما وراءهما». هذه المبادرات تؤكد التزام الولايات المتحدة بتعزيز قدراتها في استكشاف الفضاء وتأسيس وجود بشري دائم خارج كوكب الأرض.

تعليقات