لقاح أنفي واحد يحمي من الإنفلونزا وكورونا والالتهاب الرئوي مدى الحياة

لقاح أنفي واحد يحمي من الإنفلونزا وكورونا والالتهاب الرئوي مدى الحياة

أفادت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية عن إنجاز علمي مبشر قد يغير وجه الوقاية من الأمراض المعدية. فقد توصل باحثون إلى لقاح جديد يُعطى مرة واحدة سنويًا، ويهدف إلى توفير حماية واسعة ضد مجموعة كبيرة من الأمراض، لا تقتصر على الفيروسات فقط مثل الإنفلونزا وكورونا، بل تمتد لتشمل الجراثيم البكتيرية التي تسبب الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا.

الابتكار يتجاوز ذلك ليقدم حلًا محتملًا لحساسية عث الغبار المنزلي، وهي المحفز الرئيسي لنوبات الربو. ما يميز هذا اللقاح أيضًا هو طريقة إعطائه، حيث يتم رشه في الأنف بدلاً من الحقن المعتاد. ورغم أن الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، إلا أن التجارب الأولية على الفئران أظهرت نتائج واعدة، مما يبشر بثورة حقيقية في مجال الوقاية من الأمراض التي تسببها الفيروسات والبكتيريا والمواد المسببة للحساسية المحمولة جوًا.

لقاح شامل بفكرة ثورية

قاد البروفيسور بالي بوليندران، خبير علم المناعة بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، هذا البحث الأخير. ويشير إلى أن الفكرة الأساسية كانت تطوير لقاح شامل يحمي من جميع الكائنات المعدية، وهي خطوة كبيرة تتجاوز المفهوم التقليدي للقاحات.

منذ أن ابتكر الطبيب البريطاني إدوارد جينر أول لقاح للجدري في تسعينيات القرن الثامن عشر، لم يتغير المبدأ العام للقاحات كثيرًا. تعتمد اللقاحات عادةً على محاكاة خصائص العامل الممرض (فيروس أو بكتيريا) ليتعرف عليه الجهاز المناعي كجسم غريب. يقوم الجسم حينها بإنتاج أجسام مضادة وخلايا مقاتلة لمهاجمة هذا الكائن وتدميره. وعند التعرض لنفس العامل الممرض مرة أخرى، يكون الجسم مستعدًا لمكافحته بفعالية أكبر.

في بعض الحالات، توفر اللقاحات حماية مدى الحياة، مثل لقاح التهاب الكبد ب. ولكن في حالات أخرى، مثل الأنفلونزا، يجب أخذ اللقاح سنويًا بسبب التحور المستمر للفيروس. وهذا ما يسعى اللقاح الجديد لتجاوزه.

نحو تعزيز الاستجابة المناعية الفطرية

لسنوات طويلة، سعى العلماء لتطوير لقاح شامل للأنفلونزا يحمي من جميع سلالاتها الحالية والمستقبلية. لكن الابتكار الأخير يتجاوز مجرد الأنفلونزا، ويعمل بطريقة مختلفة تمامًا عن اللقاحات التقليدية. فبدلًا من محاكاة الكائنات الغريبة لجذب انتباه الجهاز المناعي، يعزز هذا اللقاح الاستجابة المناعية الفطرية، وهي خط الدفاع الأول للجسم ضد المتسللين.

عند تنشيط الاستجابة المناعية الفطرية، تُرسَل خلايا الدم البيضاء، المعروفة بالخلايا البلعمية، لابتلاع البكتيريا أو الفيروسات الغريبة. لكن هذه الخلايا لا تميز بين أنواع المتسللين؛ فمهمتها هي صد أي هجوم أولي حتى يتمكن خط الدفاع الثاني، وهو الجهاز المناعي التكيفي، من حشد الأجسام المضادة أو الخلايا التائية المتخصصة في العامل الممرض، وهو ما قد يستغرق عدة أيام. وعندئذٍ، يتوقف الجهاز المناعي الفطري عن العمل تلقائيًا.

أراد العلماء معرفة ما إذا كان تعزيز الاستجابة المناعية الفطرية يمكن أن يوفر حماية طويلة الأمد ضد مجموعة واسعة من مسببات الأمراض.

آلية عمل اللقاح الجديد

طور العلماء لقاحًا يحتوي على بروتين يُسمى “مستقبل تول-لايك 4” (TLR4). هذا البروتين ينسق استجابة الجهاز المناعي الفطري للهجمات، ويتواصل أيضًا مع الجهاز المناعي التكيفي لتكوين استجابة مناسبة وموجهة للغزاة. يأمل العلماء أن يؤدي إدخال هذا البروتين إلى وضع الجهاز المناعي الفطري في حالة تأهب قصوى دائمة، مما يعزز قدرته على التصدي للأمراض المختلفة.

لاختبار هذه النظرية، تم إعطاء الفئران قطرات من اللقاح في أنفها، بجرعات تفصل بينها مدة أسبوع. بعد ذلك، تم تعريض الفئران لفيروسات كورونا ونزلات البرد. وأظهرت النتائج، التي نُشرت في مجلة “ساينس”، أن الفئران كانت محمية من العدوى بواسطة جهازها المناعي الفطري لمدة 3 أشهر على الأقل، بدلاً من بضعة أيام كما هو معتاد.

كما جرب الباحثون اللقاح على نوعين من العدوى البكتيرية التي قد تسبب الالتهاب الرئوي. وعندما تعرضت الفئران الملقحة للبكتيريا بشكل متكرر، قاومت العدوى لمدة 3 أشهر على الأقل. بعد ذلك، قام العلماء بتعريض الفئران لعث الغبار المنزلي، وهو ما سبب امتلاء رئتي الفئران غير الملقحة بالمخاط عند تعرضها له. في المقابل، بقيت رئتا الفئران الملقحة صافيتين تمامًا، حيث تعامل الجهاز المناعي الفطري المُنشّط مع مسببات الحساسية قبل أن تتمكن من إلحاق أي ضرر. هذه النتائج المشجعة دفعت الباحثين للتخطيط لإجراء تجارب سريرية على البشر في المستقبل القريب.

تساؤلات حول فعالية اللقاح

على الرغم من النتائج المبشرة، أشارت البروفيسورة إليانور رايلي، أستاذة علم المناعة والأمراض المعدية في جامعة إدنبرة، إلى أنه لم يتضح بعد مدى فعالية هذه اللقاحات على المدى الطويل. وأوضحت أن الاستجابة المناعية الفطرية هي استجابة التهابية، وهي المسؤولة عن الأعراض التي نشعر بها عند الإصابة بالعدوى مثل الحمى وآلام العضلات والضعف. ومن المفترض أن تكون هذه الاستجابة مؤقتة؛ وذلك لأن الالتهاب المزمن الذي يستمر لأشهر أو سنوات قد يكون ضارًا بالجسم، وقد تم ربطه بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب. لذا، لا يزال البحث جاريًا لضمان سلامة وفعالية هذا الابتكار الطبي الواعد.