آخر حناطري الدقهلية يواصل مهنته التراثية رغم تحديات الزمن

آخر حناطري الدقهلية يواصل مهنته التراثية رغم تحديات الزمن

يواجه عم بركات، البالغ من العمر 70 عاماً، زحف الحداثة وتطور وسائل النقل في محافظة الدقهلية بإصرار فريد من نوعه عبر التمسك بمهنة “الحناطري” التي توارثها عن أجداده قبل أكثر من 50 عاماً، ليصبح اليوم صاحب الحنطور الوحيد الذي لا يزال يجوب الشوارع حاملاً معه عبق التراث وذكريات الزمن الجميل وسط سيطرة المركبات الحديثة.

رحلة 50 عاماً مع مهنة البشوات

بدأت حكاية عم بركات مع هذه المهنة عندما كان الحنطور هو وسيلة النقل الأساسية للنخبة و”البشوات” والعمد، حيث كان يتقاضى في بداياته 5 قروش فقط مقابل توصيلاتهم لمنازلهم وأراضيهم الزراعية. يمتد شغف الرجل بمهنته إلى أبعد من الجانب المادي، إذ يرى في الحنطور شريان الحياة الذي يربطه بالعالم الخارجي، مؤكداً أنه لا يتخيل يومه دون تلك الرحلات اليومية التي يمارسها بحب رغم محاولات عائلته إقناعه بالراحة والتقاعد.

تدرجت تكلفة ركوب الحنطور عبر العقود لتواكب المتغيرات الاقتصادية، حيث قفزت الأجرة من 5 قروش وصولاً إلى جنيه واحد، قبل أن تدخل التكنولوجيا ووسائل النقل الحديثة وتغير ملامح المشهد العام في الشوارع. ورغم انتشار الهواتف المحمولة في التسعينات والسيارات، ظل عم بركات متمسكاً بمهنته، محولاً التحديات إلى فرص، حيث أصبح يستقبل طلبات زبائنه عبر الاتصال الهاتفي بدلاً من الانتظار التقليدي أمام المنازل.

منافسة التوك توك وتحدي الزمن

في مطلع الألفية، شهدت مهنته تحولاً جذرياً مع ظهور “التوك توك” كوسيلة نقل اقتصادية وسريعة، مما أدى إلى انقراض الحناطير تدريجياً من المنطقة. ومع ذلك، صمد عم بركات أمام تلك المتغيرات محافظاً على “جرس الحنطور” كعلامة مسجلة في ذاكرة أهالي المنطقة، حيث يقول إن الركاب الذين يفضلون حنطوره يبحثون عن تجربة الرفاهية والاستمتاع التي لا توفرها وسائل النقل الحديثة.

تلعب زوجة عم بركات دوراً محورياً في هذا الاستمرار، فهي الداعم الأول له أمام مطالبات أبنائه بترك المهنة للحفاظ على صحته. وتؤمن الزوجة أن خروج زوجها مع حصانه هو “سر الحياة” وسعادته التي لا تقدر بثمن، مما يعكس جانباً إنسانياً عميقاً في مهنة كانت يوماً ما عماد التنقل في مصر.

ما يمثله الحنطور للمجتمع اليوم

لا يرى المواطنون في شوارع الدقهلية حنطور عم بركات مجرد وسيلة نقل عادية، بل يرونه أيقونة تراثية تعيد ذكريات الطفولة والزمن الجميل، وفيما يلي بعض العوامل التي جعلت عم بركات مستمراً حتى الآن:

  • الصوت المميز لنقرات حوافر الخيل على الأرصفة الصلبة.
  • رنين جرس الحنطور الذي يستدعي ذكريات الأجيال السابقة.
  • الارتباط العاطفي والنفسي بين صاحب المهنة وحصانه.
  • الترحيب المجتمعي من الأهالي الذين يطلبون منه دائماً الاستمرار وعدم الاعتزال.

يختتم عم بركات حديثه بالتأكيد على أن رزقه بيد الله، وأنه ما دام يمتلك القدرة على الحركة سيظل يمارس مهنته بوفاء، ليظل الحنطور ليس مجرد وسيلة، بل رمزاً صامداً لهوية مصرية أصيلة تتحدى الزمن.

كاتب وصحفي محترف، متخصص في التغطية الإخبارية والتحليلات الموضوعية. يلتزم بتقديم محتوى دقيق يعتمد على تقصي الحقائق والمصادر الموثوقة، مع اتباع أعلى المعايير المهنية في العمل الصحفي والتحريري. يركز في كتاباته على تقديم رؤية شاملة وواضحة تضع القارئ في قلب الحدث بكل حيادية.