الذكاء الاصطناعي يهدد بقطع التواصل الإنساني بمراسلاتنا اليومية

الذكاء الاصطناعي يهدد بقطع التواصل الإنساني بمراسلاتنا اليومية

في عالم اليوم الرقمي، أصبح الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يتزايد بشكل ملحوظ في شتى المجالات، حتى وصل إلى أدوات التواصل اليومية مثل البريد الإلكتروني. هذا التحول يثير تساؤلات كثيرة حول طبيعة التفاعلات البشرية في بيئة العمل ومدى أصالتها.

لقد صرح ريان روسلانسكي، الرئيس التنفيذي لشركة «لينكدإن»، في الخريف الماضي، بأنه يستخدم الذكاء الاصطناعي في جميع رسائل البريد الإلكتروني «البالغة الأهمية» تقريباً التي يرسلها. هذه الظاهرة لا تقتصر على المديرين التنفيذيين فقط، بل باتت منتشرة بصورة واسعة النطاق.

انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي في المراسلات

كشف استطلاع رأي حديث أجرته شركة «زيروباونس»، المتخصصة في برامج التحقق من البريد الإلكتروني، أن قرابة ربع المشاركين يقرون باستخدامه يوميا في صياغة أو تعديل رسائلهم الإلكترونية. هذا يوحي بأن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا لا يتجزأ من روتين العمل اليومي للكثيرين.

على موقع «ريديت»، يتبادل الموظفون قصصاً حول رؤسائهم الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للرد على كل بريد إلكتروني في العمل، معتقدين أنه لا أحد يلاحظ ذلك. أو يتواصلون فقط عبر رسائل بريد إلكتروني مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يسبب قلقاً بين الموظفين.

تداعيات رسائل الذكاء الاصطناعي على العلاقات المهنية

عندما تتلقى رسالة يُرجح أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وخاصة أثناء الخلافات، فقد تشعر بوجود شيء غريب. تبدو الرسائل أحياناً منظمة ومهذبة بشكل مفرط، بنبرة معقولة ومتوازنة، ولكنها تفتقر إلى «صوت الشخص الذي تتواصل معه».

قد تبدو رسائل البريد الإلكتروني أكثر سلاسة بهذه الطريقة، إلا أن الخبراء يخشون أن يؤدي تفويض المحادثات الصعبة إلى تجاهل بناء العلاقات المهمة التي تسهم في سير العمل بشكل فعال، مما يؤثر سلبًا على جودة التفاعلات البشرية.

تجريد الرسائل من الجوهر العاطفي

عندما تطلب من برنامج دردشة آلي إعادة صياغة رسالتك لتكون أكثر «إيجازاً» أو «احترافية»، فقد يُجردها هذا البرنامج من جوهرها العاطفي. هذا الجانب العاطفي هو ما يُعطي للرسائل قيمتها الحقيقية، وغيابه قد يؤثر سلباً على مستقبل العمل، مخرجاً جيلاً من المهنيين غير القادرين على التواصل فيما بينهم بفاعلية.

فوائد “المحادثة التجريبية”

في المقابل، هناك بعض الفوائد المبلغ عنها لـ«المحادثة التجريبية» مع الذكاء الاصطناعي. هذا يعني التدرب على المواضيع الصعبة مع روبوت أولاً، مما يسمح لك بمعالجة المشكلة مباشرةً وبوضوح مع شخص ما لاحقاً. عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي بوصفه تدريباً، يمكن أن يكون أداة فعالة في بناء الثقة والقدرة على التواصل.

تحديات التواصل بين الأطراف عبر الذكاء الاصطناعي

ولكن، عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي كبديل للتواصل البشري المباشر، فإنه يؤدي إلى عكس ذلك. قد يؤدي تحادث روبوت خاص بشخص ما مع روبوت خاص بشخص آخر، إلى خلق فجوة واضحة. وهذا يتعارض مع ما تصرح به الشركات عن الموظفين في المكتب من قيم مثل الإبداع، والتعاون، وعلاقات العمل القوية.

خطر فقدان الثقة وضعف قدرة المديرين

تقول لينا رين، نائبة رئيس قسم القيادة والأعمال والتدريب في منصة «سكيل سوفت»، لمجلة «فاست كومباني»: «ليس الأمر مجرد أن التفاعل – بين جهتين – قد يبدو وكأنه من صنع الذكاء الاصطناعي – لأنه كذلك بالفعل – بل إنك تعرض الثقة مع الشخص للخطر».

تطلق رين على هذا التفويض للمحادثات الصعبة اسم «التفريغ الاجتماعي». وتضيف أن لجوء القادة إلى هذه الطريقة يصبح إشكالياً بشكل خاص، لأنه «يُضعف قدرتهم على إجراء المحادثات الصعبة». يصبح القادة أقل تركيزاً على اللحظة الراهنة وأقل قدرة على القيام بما يحتاجون إليه.

إنها مشكلة لجميع الأطراف المعنية، فالمدير لا ينمي مهارة التواصل بوضوح أكبر، والموظف لا يدرك كيفية الاعتراض بفاعلية وطلب التوضيح، مما يخلق بيئة عمل غير صحية على المدى الطويل.

علاقات غائبة ونبرة غير واضحة

من جهتها، تقول كارلا بيفينز، الأستاذة المشاركة في تدريس التواصل الإداري في كلية تيبر للأعمال بجامعة كارنيغي ميلون، لمجلة «فاست كومباني»، إنها ترى بشكل كبير اعتماد الناس على اللغة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي في اللحظات الحاسمة. في بعض الحالات، يستخدم كلا الطرفين هذه الطريقة، ما يعني أن التبادل يحدث تقنياً، لكن العمل العلائقي غائب بشكل فعلي.

من منظور التواصل في مجال الأعمال، يعد هذا التمييز مهماً لأن المحادثات الصعبة تتطلب الكثير من الوضوح والنبرة الصحيحة. فتقول بيفينز: «إنها اللحظات التي يظهر فيها القادة حكمتهم ومسؤوليتهم ونواياهم في الوقت الفعلي».

إغراء الذكاء الاصطناعي منطقي

أما سارة ويتمان، الأستاذة المساعدة في الإدارة بكلية إدارة الأعمال في جامعة جورج ماسون، فتقول لمجلة «فاست كومباني»: «الجاذبية مفهومة والإغراء منطقي (للذكاء الاصطناعي)، خصوصاً أن كثيراً من الناس لم يتلقوا تدريباً رسمياً على كيفية إجراء محادثات صعبة أو حل النزاعات بشكل بناء».

وتضيف ويتمان: «نحن نعمل لساعات محددة، ونتواصل عبر (سلاك) أو (تيمز)، أو في اجتماعات قد تتضمن، في أفضل الأحوال، بعض الأحاديث الجانبية. في هذا العالم، يبدو من المنطقي أن يلجأ الناس إلى أداة تقدم لهم إجابات سريعة لحل المشكلات التي قد لا يعرفون كيفية حلها».

بالنسبة للأشخاص الذين يواجهون اختلالات في موازين القوى أو بيئات عمل متوترة، قد يبدو الذكاء الاصطناعي أيضاً وسيلة لحماية أنفسهم من قول ما هو خاطئ أو من تصعيد النزاع، مما يجعله خياراً جذاباً في مثل هذه الظروف.

بيئة عمل تفتقر للأمان النفسي

تقول كايتلين كولينز، عالمة النفس التنظيمي في منصة برمجيات إدارة الأداء «بيتر ووركس»، لمجلة «فاست كومباني»، إن هذا يشير إلى أن بيئة العمل لا توفر الأمان النفسي للعاملين فيها. وتضيف: «الذكاء الاصطناعي يُفاقم هذا الضعف»، بدلاً من حله من جذوره.

أهمية المسودة البشرية والصدق في التواصل

وتقول رين إنه عندما يملأ الذكاء الاصطناعي الفراغ، يفقد الموظفون على كلا المستويين فرصة الملاحظة والتطبيق وتطوير مهاراتهم في التواصل. وبدلاً من ذلك، يجب على القادة تحديد التوجه من خلال إرسال المسودة الأولية غير المكتملة للرسالة. فهي تكون أكثر صدقاً، وتُعبر عما يقصدونه حقاً دون أي لبس.

وتضيف: «هناك جانب من المصداقية يظهر عندما أرتكب خطأً، عندما أخطئ في الحديث… إن عودتي واعتذاري، مثلاً: (أنا آسفة حقاً)، أو (أتمنى لو تصرفتُ بشكل مختلف)، يُعزز الثقة المتبادلة. لا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي هو من يعتذر نيابةً عني أو يحل محل الصدق البشري».

صحفي متمرس يتمتع بشغف الكلمة وصناعة المحتوى الإخباري. يعمل فريق التحرير على صياغة تقارير وأخبار تتسم بالدقة والمصداقية في مختلف الأقسام التحريرية، مع الالتزام الصارم بأعلى معايير العمل الصحفي والمهني.