في خطوة غير مسبوقة، اتفق رواد فضاء وكالة ناسا مع مصور فلكي على أسلوب مميز للتصوير من الفضاء، وذلك بهدف التقاط صور للقمر بألوان وإضاءات لم يسبق لها مثيل. بدأت القصة بشكل خاص قبل أسابيع قليلة من انطلاق مهمة أرتميس 2، عندما راودت المصور الفلكي أندرو مكارثي فكرة جريئة في اللحظات الأخيرة: ماذا لو تمكن من إقناع رواد الفضاء في مهمة أرتميس 2 بتصوير القمر بنفس طريقته الفنية الفريدة؟
وبالفعل، تواصل مكارثي مع قائد مهمة أرتميس 2 ورائد فضاء ناسا، الدكتور ريد وايزمان، عبر الرسائل الخاصة. كان مكارثي يدرك تمامًا أن الحصول على رد في هذا التوقيت المتأخر سيكون صعبًا للغاية، لكنه لم يستطع أن يفوت هذه الفرصة الفريدة للتعاون. لحسن الحظ، تحققت أمنيته، وحصل على موافقة وايزمان.
القمر يظهر بألوان جديدة لم ترها أعيننا
وفقًا لما ذكره موقع Space، فقد عبر مكارثي عن دهشته وسعادته بقوله: “وافق على الفور.. لقد كان حلمًا تحقق لي شخصيًا، لكني رأيتها فرصة استثنائية جدًا للتقدم في هذا المجال”. هذه الموافقة فتحت الباب أمام مشروع تصوير فريد من نوعه يهدف إلى تقديم القمر بمنظور جديد تمامًا.
تجميعات الصور: منظور جديد للقمر
انطلقت مهمة أرتميس 2 التابعة لوكالة ناسا في الأول من أبريل، حاملةً أربعة رواد فضاء في رحلة استغرقت عشرة أيام حول الجانب البعيد من القمر. هذه الرحلة الرائدة أسرت قلوب الناس في جميع أنحاء العالم، خصوصًا وأن رواد الفضاء التقطوا صورًا خلابة للقمر، كاشفين عن مناظر آسرة لجانبه البعيد. حتى أن كريستينا كوتش، عضوة طاقم مهمة أرتميس 2 من وكالة ناسا، وصفت هذه التجربة بأنها “أكثر شيء مخيف أحببته في حياتي”.
يعتمد أندرو مكارثي على تجميع مئات بل آلاف الصور للقمر من الأرض لإبراز تفاصيل دقيقة لا يمكن رؤيتها في صورة واحدة. والنتيجة هي مناظر طبيعية زاهية الألوان تُشبه اللوحات الفنية أكثر من كونها ذلك الجرم السماوي الرمادي الذي اعتدنا رؤيته معلقًا في سماء الليل. هذا التنوع المذهل الذي يقدمه في صوره لا يعود إلى التفسير الفني، بل إلى التحليل الطيفي الدقيق للقمر.
يقول مكارثي في هذا الشأن: “إنها تُحاكي الواقع تمامًا، فكل ما تراه هو معالم حقيقية على سطح القمر، لكن عيناك لا تملك حساسية الألوان الكافية لتمييزها”. موضحًا أن منهجه في التصوير الفلكي يتمحور حول إظهار ما لا تراه العين المجردة.
رؤية القمر بعيون آلية
وتابع مكارثي حديثه، قائلًا: “لا أريد أن أريكم شيئًا كما تراه أعينكم، بل أريد أن أريكم شيئًا كما لو كانت لديكم رؤية خارقة… أريد أن أريكم القمر كما لو كانت لديكم عيون آلية، لأن عيونكم الآلية قادرة بالفعل على تمييز اختلافات الألوان، فإن الكاميرا تصبح بمثابة عيون آلية لرؤيتنا.”
وأوضح مكارثي نقطة مهمة لفهم تقنيته: “إذا التقطتم صورة عادية للقمر بكاميرا DSLR ثم أزلتم تشبع الألوان تمامًا، ستلاحظون الفرق. وعندما تعيدون تشبع الألوان إلى وضعه الطبيعي، سيبدو القمر فجأة أكثر حيوية وتفصيلًا.” هذه الطريقة تبرز الفروقات الدقيقة في الألوان التي عادةً ما تختفي عند النظر بالعين المجردة.
نتائج ملونة من الجانب البعيد للقمر
في إطار تعاونه مع رائد الفضاء ريد وايزمان، أراد مكارثي أن يعرف ما إذا كان بإمكانه الحصول على نفس النتائج الملونة المذهلة باستخدام كاميرا من الجانب البعيد للقمر. هذا الأمر كان يمثل تحديًا تقنيًا جديدًا، خاصة وأن التصوير من تلك المسافة يواجه صعوبات متعددة.
قال مكارثي في هذا السياق: “عادةً ما يصعب الحصول على بيانات ألوان عالية الدقة من الجانب البعيد للقمر. لدينا مركبة استطلاع القمر المدارية التابعة لناسا (LRO)، والتي توفر بعض بيانات الألوان، لكن دقتها منخفضة جدًا لإجراء عمليات تشبع الألوان التي تُظهر الفروقات الجيولوجية الدقيقة في التربة القمرية.” هذا يعني أن الحصول على صور عالية الجودة وملونة من الجانب البعيد للقمر يتطلب تقنيات متطورة وتعاونًا فريدًا.
لتحقيق ذلك، وضع مكارثي خطة بالتعاون مع وايزمان وفريق تصوير القمر التابع لناسا، وهو الفريق الذي كان مسؤولًا عن تدريب طاقم مهمة أرتميس 2 على استخدام الكاميرات التي أُحضرت على متن كبسولة أوريون خلال مهمتهم. وقد أوضح مكارثي الخطة بقوله: “لقد رتبوا الأمر بحيث يلتقط وايزمان صورًا متتابعة بتعريضات وأوقات مختلفة، وذلك حسب موقعهم أثناء التحليق حول القمر.”
يُعد تجميع الصور أساسًا لتقنية مكارثي في تصوير القمر، حيث يمكّنه هذا الأسلوب من تحويل التباينات اللونية الدقيقة في صورة القمر إلى درجات البني الأزرق الغنية التي تظهر في تعديلاته النهائية. ورغم أن هذه التقنية ليست جديدة تمامًا في عالم التصوير الفلكي، إلا أنه لم يسبق لأحد أن جربها باستخدام صور تم التقاطها من الجانب البعيد للقمر، مما يجعل هذا التعاون إنجازًا علميًا وفنيًا كبيرًا.
تشير الألوان نفسها الظاهرة في هذه الصور إلى التوزيع المتنوع للمعادن المختلفة على سطح القمر، وتكشف معلومات أساسية عن التركيب الكيميائي للتربة والصخور. فعلى سبيل المثال، تكتسب البازلتات الغنية بالتيتانيوم لونًا أزرقًا مميزًا، بينما تظهر المواد الغنية بالحديد أو تلك التي تعرضت للتآكل عبر الزمن بدرجات من البني والأحمر، مما يضيف بعدًا علميًا عميقًا للجماليات الفنية لهذه الصور.

تعليقات