أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وخاصةً روبوتات الدردشة التي تنتشر بسرعة فائقة بين مختلف الأعمار، خصوصًا المراهقين والشباب. هذه الأدوات لم تعد تقتصر على تقديم المعلومات فقط، بل تحولت إلى مصدر للدعم العاطفي والتفاعل الاجتماعي للكثيرين، ويزداد مع هذا التوسع طرح تساؤلات جدية حول تأثيراتها النفسية والإدراكية.
تشير دراسات حديثة من جامعتي دريكسل وديوك بالولايات المتحدة إلى جانبين مهمين ومثيرين للقلق بشأن علاقتنا المتنامية بالذكاء الاصطناعي. يتعلق الجانب الأول باحتمالية تطور اعتماد نفسي كبير قد يصل إلى سلوكيات شبيهة بالإدمان لدى المستخدمين، وخاصة المراهقين. أما الجانب الثاني، فيشير إلى أن الانتشار الواسع لنماذج الذكاء الاصطناعي قد يقلل من التنوع الإبداعي ويجعل الأفكار أكثر تشابهاً بين الأفراد.
مخاوف من إدمان روبوتات الدردشة لدى المراهقين
عبّر باحثو جامعة دريكسل عن قلقهم الشديد من التعلق المتزايد للمراهقين بروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وقد أظهرت الدراسة أن هذا الاستخدام يتحول إلى أنماط سلوكية قريبة من الإدمان، مما يؤثر سلبًا على حياتهم اليومية بشكل ملحوظ.
كشفت الدراسة، التي نُشرت في “ACM Digital Library” بتاريخ 13 أبريل 2026، أن عددًا كبيرًا من المراهقين في الولايات المتحدة يستعملون تطبيقات مثل “Character.AI” و”Replika” و”Kindroid”. ولا يقتصر استخدامهم على الترفيه، بل يمتد ليشمل البحث عن الدعم العاطفي والنفسي، وهو أمر يدعو للتأمل.
اعتمدت الدراسة على تحليل 318 منشورًا لمراهقين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا على منصة “ريديت”. وقد عبر الكثير منهم عن مخاوف حقيقية من الإفراط في استخدام روبوتات الدردشة، مما يشير إلى وجود مشكلة حقيقية تتطلب الاهتمام.
أظهرت النتائج أن الاستخدام يبدأ عادةً بأغراض بسيطة مثل الترفيه أو طلب الدعم النفسي في أوقات الوحدة أو التوتر. لكنه يتطور تدريجيًا ليصبح اعتمادًا كبيرًا وسلوكيات أقرب إلى الإدمان، وهو مسار مقلق يستدعي التدخل.
تأثيرات الإفراط في الاستخدام
أفاد بعض المشاركين في الدراسة بأن الاستخدام المفرط لروبوتات الدردشة أثّر بشكل سلبي على جوانب أساسية في حياتهم، مثل النوم والأداء الدراسي والعلاقات الاجتماعية. هذه التأثيرات السلبية تؤكد مدى خطورة الاعتماد المبالغ فيه على هذه التقنيات.
رصد الباحثون أنماطًا سلوكية مرتبطة بالإدمان بشكل واضح، ومنها:
- الشعور بالذنب مع استمرار الاستخدام.
- التعلق العاطفي بهذه الروبوتات بشكل كبير.
- أعراض انسحاب مزعجة مثل القلق والحزن عند التوقف عن الاستخدام.
- الحاجة المتزايدة للاستخدام والانتكاس بعد محاولات التوقف.
قال الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة دريكسل، مات نامفاربور، إن الاستخدام المتكرر لروبوتات الدردشة يصبح مدعاة للقلق عندما يبدأ في اتخاذ أنماط سلوكية مشابهة للإدمان، مثلما يحدث مع الألعاب أو وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التحول ينذر بمشكلة صحية ونفسية اجتماعية.
وأوضح نامفاربور لـ “الشرق الأوسط” أن المشكلة الأساسية لا تكمن في عدد مرات الاستخدام، بل في مدى تأثير هذا الاستخدام على الحياة اليومية للفرد. يشمل ذلك الانسحاب من محيط الأسرة والأصدقاء، والتخلي عن الهوايات، وصعوبة تحقيق الأهداف الدراسية أو الشخصية.
وأضاف أن تراجع الأداء الأكاديمي، وانخفاض الدافعية، والشعور العام بالسعادة، كلها مؤشرات على وجود تأثير سلبي كبير. هذه العلامات تدق ناقوس الخطر وتثير التساؤلات حول طبيعة هذه العلاقة الجديدة.
أشار نامفاربور إلى أن أحد أكبر المخاوف يتمثل في احتمالية أن تحل روبوتات الدردشة محل جوانب حيوية في حياة المراهقين، خاصة في مرحلة نمو حساسة. فإذا أصبح الارتباط بهذه الروبوتات عاطفيًا على حساب العلاقات الواقعية، فقد يفوت المراهقون فرصًا ثمينة لتطوير مهاراتهم الاجتماعية.
إن التفاعل مع الآخرين، والقدرة على إدارة العلاقات، وبناء الفهم العاطفي، كلها مهارات أساسية قد تتأثر سلبًا إذا ما اعتمد المراهقون على الروبوتات كمصدر رئيسي للدعم. هذا قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية على قدراتهم الاجتماعية على المدى الطويل.
وأوضح نامفاربور أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يستخدمون روبوتات الدردشة للرفقة وتلبية احتياجات عاطفية ونفسية، رغم أنها تقدم غالبًا كأدوات للتعليم أو الترفيه أو الإبداع. وهذا يستدعي من المصممين والمطورين مراعاة هذا التنوع في الاستخدامات.
يتطلب هذا الوضع إدراج آليات تضمن الاستخدام الصحي والمتوازن لهذه التقنيات، كما يستدعي من الآباء والمعلمين متابعة كيفية استخدامها. عليهم تشجيع العادات المتوازنة، وفتح حوارات بناءة حول دور هذه الروبوتات في الحياة اليومية لأبنائهم وطلابهم.
تأثير الذكاء الاصطناعي على الإبداع
في سياق مختلف، تشير الدراسة الأخرى الصادرة عن جامعة ديوك إلى جانب آخر من تأثيرات الذكاء الاصطناعي. توضح هذه الدراسة أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المستخدمة على نطاق واسع في الكتابة والإبداع، مثل “ChatGPT” و”Claude” و”Gemini”، غالبًا ما تنتج مخرجات متشابهة فيما بينها مقارنة بالإبداع البشري. هذا التشابه قد يحدّ من التنوع الإبداعي على مستوى المجتمع ككل.
وتشير نتائج الدراسة، التي نُشرت في 13 أبريل 2026 من دورية “PNAS Nexus”، إلى أن اختبارات الإبداع أظهرت أن البشر يقدمون تنوعًا أكبر بكثير في الأفكار والروابط الذهنية. في المقابل، تميل النماذج اللغوية إلى توحيد أنماط التفكير والإنتاج اللغوي، مما يقلل من الفردية والابتكار.
لتحليل هذه الظاهرة، أجرى الباحثون اختبارات على 22 نموذجًا من نماذج الذكاء الاصطناعي، وقارنوها بإجابات أكثر من 100 مشارك بشري، باستخدام أدوات قياس الإبداع المعروفة. وقد وفرت هذه المقارنة رؤى قيمة حول طبيعة الإبداع في كلتا الحالتين.
أظهرت النتائج أنه على الرغم من قدرة هذه النماذج أحيانًا على التفوق على الأفراد في مهام إبداعية محددة، إلا أن مخرجاتها الإجمالية كانت أكثر تشابهاً وأقل تنوعًا مقارنة بما يقدمه البشر بوضوح. هذا التباين يثير تساؤلات حول الدور المستقبلي لهذه الأدوات.
تداعيات التجانس الإبداعي
علقت الباحثة الرئيسية للدراسة بجامعة ديوك، الدكتورة إميلي وينجر، على دلالات النتائج. وأوضحت أن ميل نماذج اللغة الكبيرة لإنتاج مخرجات إبداعية أكثر تشابهاً من البشر يعني أن الاعتماد الواسع عليها في إنتاج المحتوى قد يؤدي إلى تقليص التنوع الإبداعي.
وأضافت أن هذا قد يجعل الأفكار أكثر تقاربًا وأقل تميزًا بين الأفراد، وهو أمر قد يؤثر على الابتكار البشري على المدى الطويل. هذا التجانس الفكري قد يقود إلى نوع من الركود الإبداعي، وهو تحدٍ يجب مواجهته بجدية.
وأشارت وينجر لـ “الشرق الأوسط” إلى أن أحد المخاوف المحتملة على المدى الطويل يتمثل في إمكانية انعكاس هذا التجانس في المحتوى على السلوك البشري نفسه، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على هذه النماذج في الحياة اليومية. هذا التأثير المتبادل يستدعي المزيد من البحث.
كما أوضحت أن فهم حلقات التأثير المتبادل بين أنظمة الذكاء الاصطناعي وسلوك المستخدمين لا يزال محدودًا حاليًا. ويحتاج هذا المجال إلى مزيد من البحث العلمي المعمق كونه مجالًا بالغ الأهمية والحساسية، تتكشف أبعاده تدريجيًا.
ولفتت إلى أنه يجب على الكتاب والمبدعين والطلاب الذين يعتمدون على نماذج الذكاء الاصطناعي في العصف الذهني أو توليد الأفكار أن يدركوا أن المخرجات غالبًا ما تكون متشابهة، بغض النظر عن النموذج المستخدم. لذلك، إذا كان الهدف هو إنتاج محتوى فريد بحق، فمن الأفضل عدم الاعتماد الكامل على هذه الأدوات، والحرص على إضافة لمسة شخصية وإبداعية مميزة.

تعليقات