في كل مرة يشارك فيها منتخب اليابان لكرة القدم في نهائيات كأس العالم، لا تقتصر بصمته على الأداء الرياضي داخل المستطيل الأخضر، بل تمتد لتشمل سلوكًا حضاريًا فريدًا من نوعه يلفت أنظار العالم أجمع. فبينما تتجه الجماهير عادة لمغادرة المدرجات بعد صافرة النهاية، يبقى جمهور الساموراي الأزرق في مكانه، ليس للاحتفال، بل لتنظيف المكان وكأنه لم يُستخدم من قبل.
هذه العادة اليابانية المميزة في تنظيف المدرجات تكررت في العديد من نسخ البطولة الأبرز عالميًا، من كأس العالم 2018 وحتى النسخة الأخيرة في عام 2022. فلم يكتفِ المشجعون اليابانيون بجمع القمامة، بل حرصوا أيضًا على ترك رسائل شكر راقية مكتوبة بلغات مختلفة، تعبيرًا عن امتنانهم وتقديرهم للدولة المضيفة. هذا السلوك لم يقتصر على الجماهير فحسب، بل شارك فيه لاعبو المنتخب أيضًا، حيث قاموا بتنظيف غرف خلع الملابس بعد خروجهم من مونديال روسيا، وتركوا رسالة تقدير باللغة المحلية.
سر السلوك الياباني في الملاعب: جذور ثقافية عميقة
يعود هذا السلوك الفريد الذي يمارسه اليابانيون داخل وخارج الملاعب إلى جذور عميقة في ثقافتهم، والمبنية على قيم راسخة من الانضباط والمسؤولية الجماعية. كويتشي ناكانو، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صوفيا، يوضح أن هذا التصرف ليس مجرد استعراض، بل هو امتداد طبيعي لتربية تبدأ مع الأطفال منذ الصغر.
ترسيخ قيم النظافة والمسؤولية منذ الطفولة
ففي المدارس اليابانية، نادرًا ما تجد عمال نظافة، حيث يتولى الطلاب بأنفسهم مهمة تنظيف فصولهم الدراسية ومرافقهم الأخرى. هذا النظام التعليمي يرسخ لديهم فكرة أن الحفاظ على المكان يقع ضمن مسؤوليتهم الشخصية، وأنه ليس عملًا يُلقى على عاتق الآخرين. هذه التربية المبكرة تُساهم في تكوين جيل يعي أهمية النظافة والنظام، ويرى فيها واجبًا مجتمعيًا.
“تاتسو توري أتو وو نيجوسازو”: فلسفة يابانية للحياة
تُعبر العبارة اليابانية الشهيرة “تاتسو توري أتو وو نيجوسازو” عن هذه الفلسفة بشكل واضح، والتي تُترجم إلى: “اترك المكان كما وجدته”. هذه المقولة ليست مجرد كلمات، بل هي مبدأ يتم تطبيقه يوميًا في مختلف جوانب الحياة العامة في اليابان، من الشوارع النظيفة إلى أماكن العمل المنظمة، ووصولًا إلى الملاعب الرياضية.
ميواكو: مفهوم تجنب إزعاج الآخرين
يرتبط هذا السلوك أيضًا بمفهوم ثقافي يُعرف بـ”ميواكو”، وهو يعني تجنب إزعاج الآخرين أو التسبب في أي مصدر إزعاج لهم بأي شكل من الأشكال. ففي نظر اليابانيين، يُعد ترك القمامة في الأماكن العامة تصرفًا غير مسؤول، ولعله يضر بالمجتمع ككل. باربرا هولثوس، نائبة مدير المعهد الألماني للدراسات اليابانية في طوكيو، تؤكد أن هذه العادات ليست مثالية بقدر ما هي نتاج تربية مختلفة تمامًا؛ فالشخص الذي ينشأ على نظام معين، يطبقه تلقائيًا أينما ذهب، مشددة على أن هذه السلوكيات تتجذر في اللاوعي الجماعي.
ومع أن هذا السلوك يحظى بإشادة عالمية واسعة، تُحذر هولثوس من المبالغة في تصوير اليابان كمجتمع بلا عيوب، مؤكدة أن لديها تحدياتها الخاصة كغيرها من الدول. لكن ما يميزها حقًا هو قدرتها على ترسيخ عادات يومية بسيطة، تُحدث فرقًا كبيرًا وملموسًا في المظهر العام والسلوك المجتمعي.
كأس العالم 2026: استمرارية الرسالة الحضارية
ومع اقتراب نسخة كأس العالم 2026، والتي تستضيفها مدن عالمية مثل أرلينغتون وتكساس ومونتيري، تتجه الأنظار مجددًا إلى الجماهير اليابانية. ليس فقط من أجل مؤازرة فريقها وتشجيعه بقوة، بل لتوقع استمرارهم في تقديم تلك الرسالة الحضارية التي أصبحت علامة مسجلة باسم اليابان، وتُعد مثالًا يُحتذى به في الاحترام والمسؤولية المجتمعية.

تعليقات