كتاب “أليس في بلاد الأفكار” عبارة عن رواية استكشافية ممتعة تقدم مدخلاً شيقاً لتاريخ الفلسفة، يستعين مؤلفها بشخصية أليس الشهيرة، محاولاً من خلالها الإجابة عن الأسئلة الآتية: كيف نعيش؟ وما القيم التي يجب علينا العيش بحسبها؟ وما هدف الحياة وخيرها الأسمى؟ وجاءت الإجابة عن هذه الأسئلة بصيغة مبسطة وفي قالب روائي بعيد كل البعد من التجريد والتعقيد.

وأليس بطلة الكتاب، مثلها مثل كثير من شبان وشابات القرن الـ21، فتاة تقلقها أسئلة المصير، تلك المتعلقة بكوكب الأرض والبشرية، لا سيما انقراض بعض الكائنات الحية واندلاع الحروب المدمرة والتغير المناخي والحيرة إزاء المستقبل. فتتساءل عن كيفية العيش في هذا العالم، وعما يجب عليها فعله في حياتها. فهي تحلم بالعثور على عبارة أو حكمة تدقها كوشم على ذراعها تكون بمثابة دليل للحياة، نوع من بوصلة ترشدها سواء السبيل. لكنها في سعيها هذا تتعرف على عدد من الشخصيات الخيالية الغريبة كالساحرة “اعتراض” التي تراقب كل فكرة حتى لا تفقد قيمتها، والفأران “حكيم” و”مجنون”، والكنغر الطريف “إيزغوربا” وحقيبته المحملة بملفاته المعرفية، إلخ. الذين يأخذونها إلى عوالم موازية وبلاد عجيبة تدعى “بلاد الأفكار”، إذ تبدأ الفتاة رحلتها عبر العصور والحضارات، وحيث تتمكن من لقاء أعظم الفلاسفة، أولئك الذين سعوا مثلها، منذ القدم وحتى يومنا هذا، إلى فهم العالم، مما أتاح لها اكتشاف التيارات الفكرية والفلسفية الكبرى. وهكذا، تبدأ المغامرة، تجوب أليس العصور والأماكن، تلتقي بالمفكرين والفلاسفة، وتطرح أسئلتها حول الحياة والمعرفة والأخلاق.

 رحلتها هي أيضاً رحلتنا نحو تعلم الحرية والفكر النقدي، إذ نقرأ كتاب “أليس في بلاد الأفكار” بشغف من أوله إلى آخره أو من آخره إلى أوله بصورة غير متسلسلة، عبر اختيار اللقاءات الـ40 التي تخوضها الفتاة مع كبار المفكرين والفلاسفة. فقد أتاحت لها الفرص أن تتعرف على سقراط الذي أخبرها أن “الحياة بلا تفكير لا تستحق أن تعاش” وأن تقابل أفلاطون في أحد الكهوف، قبل أن تتحاور مع كونفوشيوس وابن سينا ومونتاني ومكيافيلي وسبينوزا وفولتير وهيغل وغيرههم. في الكتاب أيضاً، تناولت أليس طعام الغداء مع كانط، وشربت الشاي مع ماركس، وتنزهت برفقة نيتشه في جبال الألب السويسرية وتحديداً في سيلس ماريا، وجادلت فرويد في عيادته في فيينا في صوابية كتابه “قلق في الحضارة”، الذي يعيد النظر في كل بديهيات العمران متبعاً منهج ديكارت الشكي والذي حاول فيه الإجابة عن سؤال لماذا لا يحظى الإنسان بالسعادة كلما تقدمت الحضارة نحو الكمال؟ شكلت هذه اللقاءات فرصاً نادرة سمحت للفتاة بطرح الأسئلة على الفلاسفة ومناقشة أفكارهم، فمن كان الفيلسوف الذي كان تأثيره أكبر فيها؟ 

أفكار نقدية

تخبرنا الرواية أن أليس تعرفت في جنيف على جان-جاك روسو الذي قدم رؤى وأفكاراً نقدية لعصره لم يسبق لأحد غيره أن قدمها، فارتقى بخطابه الفلسفي إلى ما سعت إلى سماعه، لعله خط بعضها في جوابه عن السؤال الذي طرحته أكاديمية ديجون حول العلوم والفنون ودورها في النهوض بالأخلاق. فقد قال روسو في خطابه الشهير هذا: “لقد فسدت أرواحنا بقدر ما تقدمت علومنا وفنوننا، وكلما رقينا في مدارج العلم، ازداد فسادنا”، هو الذي لم يكن راضياً عن أثر العلوم والحضارة والتقدم في المجتمع، لأنها ترافقت مع نسيان الإنسان والطبيعة. وليس من شك أن وقع كلمات روسو  العميقة وبنية نصوصه وأفكاره ورونقها البلاغي أصابت أليس في الصميم. وها هوذا روجيه -بول دروا من خلال بطلته يسلط بدوره الضوء على فكر روسو، الذي كان بحسبه من أوائل الفلاسفة الذين دعوا إلى العودة للطبيعة والبساطة، وهو ما يتجلى بوضوح في أعماله الأدبية والفلسفية.

لا يقتصر كتاب روجيه بول دروا على عرض أفكار الفلاسفة الأوروبيين وحسب، بل يأخذنا بصحبة أليس في رحلة إلى الهند والصين وبلاد فارس، مما يجعل كتابه عملاً فكرياً غنياً وشاملاً، لكن يغيب عن الكتاب أسماء بعض الفلاسفة المهمين، على رغم حرص مؤلفه على إدراج أسماء مفكرين وفلاسفة ينتمون إلى تيارات فكرية مختلفة أمثال ديوجينيس وماركوس أوريليوس وغيرهما، لكننا نتفاجئ مثلاً لعدم إدراجه اسم القديس أوغسطينوس أو لايبنيتز أو كيركغارد. أما باسكال، أحد أعظم عباقرة التراث الفلسفي والأدبي الفرنسي، فاستبعد من الكتاب بسبب خاطرة تقول “لا شأن للناس إلا في أن يتخادعوا ويتمالقوا، ولا يتكلم أحد بحضورنا بمثل ما يغتابنا. وقلما ثبتت صداقة لو عرف كل واحد ما يقوله عنه صديقه في غيابه، ولو عرف جميع الناس ما يقوله بعضهم في بعضهم الآخر لما وقعت على أربعة أصدقاء في العالم”. وتعتقد أليس أنه يبالغ، هي التي تفضل مقولة أرسطو في “الأخلاق إلى نيقوماخوس”: “لن يختار أحد حياة بلا أصدقاء، ولو كان ذلك في مقابل الحصول على كل شيء آخر في العالم”. ويبدو أن وضوح الأخلاقيين في القرن الـ17 لا يتناسب مع أدب القرن الـ21، إذ سيستبعد أيضاً هايدغر بسبب من معاداته للسامية، وستصدم أليس ببعض أقواله. صحيح أن لهايدغر ماضياً مثيراً للجدل، لكن استبعاد أعماله الرئيسة كـ”الكيونة والزمن”، قد يبدو أمراً فيه بعض المبالغة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يميل روجيه بول دروا في كتابه هذا نحو المثالية، لا سيما أن روسو نفسه، لم يكن قديساً. لكن هذه التحفظات لن تؤثر في القراء الذين يتوجه إليهم، كبارا كانوا أم صغاراً.

أليس في بلاد الأفكار” رحلة فلسفية ساحرة تحتفي بتاريخ الفكر والتطور الفلسفي عبر العصور، تدعو القراء إلى استكشاف عوالم جديدة من الأفكار والتأملات الفلسفية المتنوعة والملهمة بأسلوب تعليمي تفاعلي ممتع، إذ يتداخل فيها الأسلوب الروائي بالمفاهيم العميقة التي تحثنا على إعادة النظر في علاقتنا بالثقافة والفلسفة والأدب والقضايا المعاصرة. في هذا الكتاب، نجح روجيه بول دروا في ربط التراث الفكري والإنساني المتنوع بالسرديات المعاصرة، معززاً على طريقته الحوار بين الأجيال، مذكراً إيانا أن الأدب والفلسفة ليسا مجرد خيال، بل وسيلة لفهم الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.

“أليس في بلاد الأفكار” كان أحد أبرز أحداث معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، إذ باعت دار نشر ألبان ميشيل حقوق ترجمته إلى أكثر من 20 دولة، لعله سيصل حتماً إلى صدارة قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في العالم.

نقلاً عن : اندبندنت عربية