تعتبر تجربة المسرح داخل السجون السورية واحدة من التجارب اللافتة في توظيف عناصر غير تقليدية لتحقيق اللعبة المسرحية، وحرص معتقلون ومعتقلات في سجون النظام البائد على جعل المسرح خط مواجهة ودفاع عن القيم الإنسانية التي حرص السجان على تحطيمها بأناة داخل جدران السجن. على أن جل التجارب التي لاقت فرصة العرض داخل هذه المعتقلات، اعتمدت على تقنيات التغريب وكسر الإيهام (في المفهوم البريختي)، كما ابتعد مخرجوها عن المبالغة في الأداء والنبرة المتكلفة، بل اعتمدوا معايشة الدور، والخروج من لبوس عروض الهواة، وصولاً إلى تحويل كل ما وقعت عليه أعين السجناء وأيديهم، إلى فضاء التجريب والتفكير الجماعي، لصياغة المشهد وبناء المناظر، ومن ثم توظيف للمواد المتاحة لخدمة عمل الممثل وعالمه الداخلي.
خبز وكرتون وماء وسكر، هي العجينة التي كان معتقلو الرأي في سجن صيدنايا العسكري يستخدمونها لصنع ديكورات عروضهم المسرحية. أدوات واجه بها السجناء قسوة التعذيب والصعق بالكهرباء وسياسة التجويع لسنوات طويلة داخل جدران المعتقل. كان محمد الماغوط أول من حقق عرضاً مسرحياً داخل سجن المزة العسكري بعد اعتقاله للمرة الثانية عام 1962، هناك تعرف الشاعر السوري على سنية صالح التي رافقته في العرض، قبل أن تشاركه كزوجة ورفيقة درب وشعر.
لم يغب السجن عن أعمال الدراما السورية منذ نشأتها مع بداية الستينيات من القرن الـ20، ولعل زنزانة أبو كلبشة (عبداللطيف فتحي) كانت أبرز تلك السجون التي جسدها مبكراً كل من الراحل نهاد قلعي رفقة دريد لحام في مسلسلهما “صح النوم”، فجعلا من السجن مشهداً دائم الحضور في العمل الكوميدي الشهير، فكتب قلعي عرضاً مسرحياً قدمه السجناء بمناسبة عيد الأم في إحدى الحلقات. مفارقات يبدو فيها (قاووش) “صح النوم” نسخة رومانسية ساذجة عن تلك التي عاشها معتقلو الرأي في السجون العسكرية السورية.
ويمكن الحديث عن عدد من التجارب التي خاضها مثقفون سوريون في كتابة الرواية والقصة وتحقيق العروض المسرحية في السجون والمعتقلات، فمعظم هؤلاء كانوا يحسبون على التيار اليساري، وعاشوا تجربة الاعتقال في سجون تدمر وحلب وحمص ودمشق، لكن مع تأسيس سجن صيدنايا العسكري عام 1978 تكرس هذا النوع من المقاومة لعسف النظام البائد، فأحال معتقلون سجونهم إلى ما يشبه مراكز ثقافية، وجمعوا من خلال زيارات ذويهم وأصدقائهم لهم عدداً كبيراً من أهم الكتب والمؤلفات، وحولوا مهاجع السجن إلى ما يشبه مكتبة عامة. كما ترجموا الكتب، وألفوا الأشعار والقصص والروايات، وأقاموا الأمسيات والمحاضرات السرية خلف جدران المعتقل.
مسرح صيدنايا
وفي سجن صيدنايا أيضاً قام المخرج غسان جباعي (1952- 2022) بأبرز تجربة مسرحية له بعد تخرجه في أكاديمية كييف للمسرح، وعن هذا العرض يروي المخرج السوري في كتابه “المسرح في حضرة العتمة” – (دار العوام- 2020) فيقول: “ما أن جمعونا مع الأحزاب الأخرى في جناح واحد – وكان جلهم من الشباب المتقد حماسة وحيوية – حتى دبت فينا الروح من جديد، فقررت أن أحقق حلماً مسرحياً قديماً، كان من المفترض أن يكون مشروع تخرجي، وكنت قمت بإعداده عن قصة “العنبر رقم ستة” للكاتب الروسي أنطون تشيخوف.
لم يكن تنفيذ مثل هذه العروض بالأمر اليسير على معتقلي سجن صيدنايا، فتصميم الديكور وإيجاد الممثلين المناسبين من الهواة وتدريبهم، إضافة إلى توفير مساحة للعرض وتموضع أماكن جلوس الجمهور. كلها أمور كانت صعبة إن لم تكن مستحيلة في ظل همجية السجان وقسوته، ولا سيما أن مساحة المهجع في سجن صيدنايا لم تكن تتجاوز 40 متراً. كان على السجناء أن يجدوا حلولهم الفنية لهذا المسرح السري، فأرغمتهم الظروف لابتكار أساليب لا تخطر على بال الجلاد، وعملوا على تكييف أدواتهم ببراعة استثنائية لاجتراح فضاءاتهم بين سراديب المعتقل وزنازينه الرطبة المظلمة.
يروي المخرج الراحل غسان جباعي كيف تغلب على هذه المعوقات، فيقول: “اخترعنا تصاميم وحلولاً غريبة عجيبة، كأن يتحول الممثل عند الحاجة إلى طاولة أو كرسي يجلس عليه ممثل آخر، وأن تثبت المخدات على الجدار وينام سكان العنبر (المجانين) وقوفاً، وذلك لكسب المساحة أولاً، وللتعبير عن حالاتهم النفسية ثانياً، كما جدلنا الحبال من الخيطان، وثبتناها بين السطح والأرض لتتحول إلى قضبان حديدية نفكها ونركبها بحسب المشهد، واعتمدنا في الإضاءة على شموع ثبتناها خلف أقنعة صنعناها بعيون واسعة، وقررنا أن يحضر العرض كل مرة 10 أشخاص فقط، ويكون الحضور وقوفاً وأداء الممثلين همساً تقريباً، كي لا يسمعنا الحراس”.
ومثلما تم تطويع عناصر العرض لهذا الشرط الفني الصعب، كذلك خضع النص لإعداد تناسب مع هذه الظروف الاستثنائية، أما موسيقى عروض السجن والأغاني المرافقة لها، فتمت على عود صنعه المعتقلون من “بيدون” ماء بلاستيكي أوتاره من النايلون، إذ كان المطلوب من مخرجي مسرحيات السجن ليس تجسيد النص في ظروف فنية غير عادية وحسب، بل التأقلم مع ظروف لا تمت إلى المسرح بصلة، وهذا كله كان امتحان جديد احتاج إلى كثير من الاندفاع والخيال، وخلق الحلول الإخراجية المعبرة والمناسبة من القائمين على هذه النوعية من العروض.
وفي معرض شهادته عن عرض “العنبر رقم ستة” في سجن صيدنايا العسكري، يقول الروائي والقاص الفلسطيني – السوري علي الكردي، الذي كان من الداعمين لتلك التجربة في المعتقل: “لا أصدق حتى الآن أننا اشتغلنا على عروض مسرحية داخل السجن، ومن خلف ظهر السجان. حينما أفكر في الأمر بعد أكثر من ثلاثة عقود أشعر كم كنا حالمين وأحراراً من الداخل على رغم سنوات الجمر والعتمة”.
عروض ونصوص
ومن العروض التي جرى إنجازها داخل سجن صيدنايا العسكري مسرحية بعنوان “المحاكمة”، وأخرجها الفنان بدر زكريا عن رواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم، وبذل زكريا جهوداً في إقناع عدد من رفاقه المعتقلين بفكرته، ونجح في تشكيل فرقة مسرحية مؤلفة من وائل سواح، ومازن ربيع، وعبدالكريم درويش، وأيمن قاروط، وآخرين. وعن هذه التجربة يقول علي الكردي الذي قام بإعداد النص داخل السجن: “كان بدر مبدعاً في تحفيز الطاقات واستثمارها، إلى أن نضج العرض أمام ذهول السجناء الآخرين الذين تعامل بعضهم في البداية بخفة واستهجان مع الموضوع، لكنهم دهشوا في ما بعد حينما اخترق العرض رتابة أيامهم المملة، وحرك المياه الآسنة في دواخلهم، وملأ برودة السجن بدفء الحياة وألوانها”.
وكان المسرح حاضراً في سجن دوما للنساء، إذ قدمت المعتقلات المحسوبات على الأحزاب اليسارية في ذلك السجن عرضاً بعنوان “حورية البحر” عن نص لهنريك إبسن (1828- 1906). عثرت المعتقلات على نسخة من هذا النص في مكتبة السجن، وبدأت كل من رماح بوبو وناهد بدوية بإعداد نص الكاتب النرويجي، فيما قامت كل من وجدان ناصيف وسمر شما وهند قهوجي بأداء أدوار المسرحية بما فيها الأدوار الرجالية، وعن هذه التجربة تتحدث وجدان ناصيف التي لعبت دور البحار في العرض: “بالنسبة إلي كان دور البحار من أجمل الأدوار التي لعبتها في السجن، وهو شاب شغوف بالبحر والحوريات، بالتغيير والإبحار من عالم الحلم والدهشة والمجهول، والابتعاد من اليابسة، فتخلصت من شعري بارتداء قبعة بحرية، ورسمت شارباً ولحية خفيفة بقلم الفحم، وما زلت أذكر أن أجمل أوقات السجن هي الأوقات التي كنا نسرقها للتدريب”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واعتمدت المعتقلات في تحقيق عرض “حورية البحر” على تنفيذ ديكور بسيط صنعنه من بطانيات وأغطية الأسرة التي كن ينمن عليها، فيما كن يجمعن ملابس وإكسسوارات العرض من خلال زيارات أقاربهن إلى السجن. وقدمت معتقلات الرأي عدداً من العروض التي تنوعت بين المشاهد والاسكتشات الكوميدية الساخرة، ووظفن الرقص والغناء والتقليد والتنكر في أداء هذه العروض، مما بدد عنهن وحشة السجن وظلامه، وحقق لهن حضوراً قابله السجان بإجبار أعضاء الفرقة المسرحية على توقيع تعهد خطي بعدم تحقيق عروض مسرحية داخل السجن، لكن إصرار المعتقلات على إنجاز العروض المسرحية حال دون رغبة مدير السجن.
نقلاً عن : اندبندنت عربية