يحضر طالب الرفاعي في المشهد الثقافي الكويتي والعربي، قاصاً وروائياً وباحثاً، عطفاً على نشاطه في إحياء محترفات الكتابة وإلقاء المحاضرات. وقد تُرجِمت روايات عدة له إلى لغات أجنبية مختلفة، وقد صدرت له حديثاً مختارات قصصية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، بعنوان “ضوء كويتي”. ولعل الرفاعي الحريص على التجديد والتجدد يقول في توطئة المختارات: ” حرصت دائماً على أن يكون كل إصدار جديد لي إضافة إيجابية لرصيدي عند القارئ، وإلا فلا داعي له”

 عام 1992 أصدر الرفاعي مجموعته القصصية الأولى “أبو عجاج طال عمرك”، وقد حصل ذلك، بعد 14 عاماً من نشر قصته الأولى “إن شاء الله سليمة”، في جريدة “الوطن” الكويتية، في الـ17 من يناير (كانون الثاني) 1978. وعام 2024 أصدر مجموعته القصصية الأخيرة “متتاليات الدكتور نازل”. وبين الأولى والأخيرة ثماني مجموعات أخرى، مما يجعل عدد المجموعات القصصية التي أصدرها، خلال 32 عاماً، مجموعات، تمتاح حكاياتها من دوائر ثلاث، الأسرة، والوطن والعالم. والمختارات التي بين أيدينا لا تشذ عن هذه القاعدة، وقد اختارها الرفاعي من تسع مجموعات، بعدد قصتين اثنتين من كل مجموعة، مما يجعلنا إزاء 18 قصة مختلفة، في الشكل والمضمون، تعبّر عن تجربة جمالية مؤثّرة، تقوم على أصالة الشكل وبلاغة النوع وحداثة التجربة، على حدّ إشارة شهلا العجيلي في تقديمها المختارات.

 منظورات مختلفة

يتناول الرفاعي العلاقات الأسرية في العالم المرجعي المختص، من منظورات مختلفة، فيتناولها من منظور المجتمع الذكوري، في قصة “لحية وشارب” المؤلفة من مشهد قصصي واحد، تقوم قصصية القصة فيه على التناوب النصي بين الوقائع المعيشة والذكريات المستعادة. وتقوم حكائيتها على رصد العلاقة غير المتكافئة بين الرجل أباً وزوجاً، والمرأة ابنةً وزوجة، في المجتمع الأبوي، فالأب يُكرِه ابنته على ارتداء الحجاب تحت طائلة حرمانها من المدرسة، والزوج يُكرِهها على النقاب تحت طائلة حرمانها من الجامعة، ويبتزها مالياًّ، ولا يتورع عن صفعها، حين تدعو الحاجة. غير أن المرأة الواقعة عليها هذه الممارسات الذكورية لا تستسسلم لواقع الحال، وتجترح آليات المقاومة والمساومة، وتحصل على بعض ما تريد.

 ويتناول القاص العلاقات الأسرية، من منظور التفكك الأسري، في قصة “ليلة باردة” التي تقول استحالة جبر ما انكسر، وحتمية تغيّر العلاقة بتغيّر وظيفتي طرفيها، ذلك أن اتفاق الزوجين المطلّقين، منذ سبعة أعوام على قضاء ليلة حارة في فندق، بعد عودة الطليق من السفر، يبوء بالفشل، فحين يخرج الزوج من الحمام، بعد اغتساله، يجد الطليقة غارقة في نومها، ويتذكر زواجها من غيره، فيغادر إلى غير رجعة، وبذلك، تتحول الليلة الحارة إلى ليلة باردة.

يتناولها من منظور التضامن الأسري في قصة “أغمضي روحي عليك”، فالمرأة العجوز في القصة مهووسة بكل ما يتعلّق بأفراد أسرتها، تقلق عليهم إذا تأخروا في العودة إلى البيت، وتحرص على تناولهم الطعام، وتتدخل في شأن كل منهم، وتجترع غصة اختفاء ابنها في غزو الكويت. وفي هذا السياق تشكل الذكريات الأسرية التي يحتفظ بها الابن المختفي آلية دفاع ضد السجّان الذي سامه محتلف صنوف العذاب. وهنا، تقوم قصصية القصة على الترجح بين الوقائع والذكريات، والتناوب بين السرد والحوار، وتعدّد المشاهد القصصية، وتعدّد الصوت الراوي.

 ويتطرق الرفاعي إلى العلاقات الأسرية من منظور ضغط الحياة المعاصرة، في قصة “ليلة أخرى”، فانشغال الزوج بهموم العمل، وانخراط الزوجة في تدبير المنزل، يحولان دون قيام علاقة زوجية منتظمة بينهما، فكلّما اتفقا على النوم معاً يحدث ما يحول دون ذلك، ويتأجل الأمر إلى ليلة أخرى. ويتناولها من منظور الاستئثار العائلي، في قصة “كرسي 3″، ذلك أن بطل القصة الذي يشغل كرسي إدارة الشركة العائلية، المصاب بسرطان الحنجرة، يرفض التنازل عن كرسيّه، خشية أن يؤول لأحد إخوته، مقدّماً المنصب على صحته، ظناً منه أنه سينقذه من المرض.

  منظومة قيم

يمتاح الرفاعي حكاياته من بيئة العمل الكويتية، ومنظومة القيم الاجتماعية، ففي القصص المستوحاة من الأولى، نقع على قصة “قرب المدخل” المؤلفة من مشهد واحد، والمستوحاة من بيئة العمل المكتبي، وفيها يحذّر من خطأ الأفكار المسبقة والأحكام الجاهزة، المقترنة بهذه الوظيفة أو تلك، ذلك أن مدير شؤون الموظفين يضيق ذرعاً بالخادم العجوز الذي يتلكّأ في التعبير عما يريد، ويظن أنه يريد مساعدة مالية، فيخرج من جيبه خمسة دنانير ليعطيه إياها، حتى إذا ما أخبره الخادم أن ابنه طالب الهندسة المتفوق قد أودى به الانفجار الأخير أمام مدخل الجامعة، أُسقِط في يد المدير، وارتخت ذراعاه، وسقطت الورقة النقدية من يده، واكتشف بعد فوات الأوان أن الخادم إنسان قبل أن يكون طالب مساعدة. وبذلك، تقول القصة خطأ الحكم على الناس استناداً إلى الصور النمطية المكونة عنهم. وفي “كرسي 4″، يفكك الرفاعي عقدة السلطة المتحكمة ببعض رؤساء العمل، ويسخر، على شيء من المبالغة، بفوقيتهم وتوخيهم المظاهر الخاوية في التعبير عنها، ما يعكس خواءهم الداخلي، ذلك أن رئيس مجلس الإدارة في الشركة يستدعي نجاراً، ويطلب منه صناعة كرسي كبير له يميّزه عن سائر الأعضاء، ويجعل رأسه يقترب من سقف الغرفة، بحيث يراهم أصغر منه حين ينظر إليهم من فوق، وفاته أنه، هو بدوره، سيبدو صغيراً حين ينظرون إليه من تحت. وبذلك، تقول القصة إنه كما ترى الآخرين يرونك. وفي “قهوة مرة”، يفكك الرفاعي أعطاب صرف النفوذ الإداري وتوخّي الواسطة في اتخاذ القرارات والتراجع عنها، من خلال رصد الصراع بين مدير الإدارة ورئيس القسم في مركز العمل حول الفراش، واستخدام كل منهما علاقاته لحسم الصراع في مصلحته. غير أن تدخل الوزير، في نهاية المطاف يحسمه في مصلحة أحد المتصارعَيْن. والمفارق أن الصراع يتمحور حول مسألة غير مستحقة، وبذلك تقول القصة إن “الجنازة حامية والميّت كلب”، على حد تعبير المثل الشعبي.

 وفي قصص منظومة القيم الاجتماعية، تقول قصة “شمس” بأسلوب فانتازي غرائبي استحالة العودة إلى الوراء، واتجاه التغيّر في سلم القيم دائماً إلى الأمام، بمعزل عن صحة هذا الاتجاه أو عدمه، فراشد الذي يضيق ذرعاً بقيادة السيارات يشتري حماراً يجهزه بأدوات حديثة لينتقل به إلى مركز عمله، وتكون المفارقة أنه حين يصل إلى المركز يفاجأ بأن موقف السيارات قد تحوّل إلى موقف للحمير، مما يعني أن الضيق بنمط الحياة العصرية ليس وقفاً عليه. غير أن موت الحمار، بفعل شمس الكويت في أغسطس (آب)، يشكّل إشارة قصصية إلى استحالة العودة إلى الوراء. وفي السياق نفسه، يشكل اختلال سلم القيم الناجم عن اكتشاف البترول، وتداعياته المدمرة على الطبيعة والإنسان، موضوع قصة “الواجهة البحرية”، التي يختلط فيها الواقع بالفانتازيا، والعادي بالغرائبي، ذلك أن ناصر الذي دأب كل ثلاثاء على اللجوء إلى البحر ليدفن همومه فيه، يطلع له البحر، ذات ثلاثاء، ويشكو هجر الناس له، وانصرافهم عنه إلى البترول، وتعديهم عليه بالتوسع العمراني، حتى إذا نهض الكويتيون، ذات صباح، وجدوا أن البحر قد رحل. وهكذا، تقرع القصة جرس إنذار بخطورة العبث الإنساني بالطبيعة، ولعلها تفعل ذلك بعد فوات الأوان.

 العولمة والعمالة

 يتناول القاص تيمتي العولمة والعمالة الأجنبية، فيرصد التحولات الناجمة عن الأولى، ويقص المعاناة الناتجة عن الثانية. على أنه من الضروري الإشارة، في هذا السياق، إلى تداخل الدائرتين الوسطى والكبرى في القصص ذات الصلة، فحين يعجز بطل القصة عن تحقيق أحلامه في الدائرة الوطنية، يحققها في الدائرة العالمية، كما نرى في قصة “شهادة تاون” التي تقوم قصصيتها على تعاقب مجموعة من المشاهد القصصية التي تفصل بينها فجوات زمنية، تطول أو تقصر حسب مقتضى الحال. وتقول إن نجاح الإنسان ليس منوطاً بالإطار المحلي الذي يعيش فيه بل قد يتعدّاه إلى الإطار الخارجي الذي يسافر إليه، ذلك أن فصل نازل من الجامعة في بداية القصة هو بمثابة إلقاء جلمود صخر على صفحة بركة راكدة، تنداح عنه دوائر كثيرة، فيسافر مع صديقه الراوي للدراسة في جامعة شهادة تاون الأميركية، ويحققان النجاح الذي يحلمان به، ففي زمن العولمة ليست ثمة حدود تحول دون تحقيق الأحلام، وفي الزمن نفسه قد تتغير الأولويات في سلّم القيم الاجتماعي، فيتقدم الهاجس المالي على الفكري، كما نرى في قصة “بخور كيو أيت” التي هي عبارة عن مجموعة مشاهد قصيرة، متعاقبة. يتحول فيها نازل وصديقه الراوي من إدارة معهد استشارات فكرية إلى تأسيس شركة لتجارة البخور، ويحققان أرباحاً طائلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 يتناول الرفاعي تيمة العمالة الأجنبية في الخليج العربي، واصطدام الأحلام بالوقائع القاسية، كما نرى في قصة “بشراوي… رانجي” التي تقوم قصصيتها على صوتين راويين، يروي كل منما حكايته، وعلى المقابلة بين الحكايتين اللتين تتكاملان في التعبير عن معاناة العاملين، فرانجي، الخادمة الهندية الفقيرة، تُضطر إلى ترك أولادها الصغار في عهدة عمتهم، وتدفع من جسدها لمدير مكتب العمل المحلي ثمن الحصول على فرصة العمل، وتعاني البعد عن عائلتها. وبشراوي، السائق المصري، لا يجد الوقت والمال لشراء الهدايا لأفراد أسرته الذين ينتظرون عودته بسقف توقعات مرتفع، في الوقت الذي يدفع فيه رب عمله ما يعادل ضعفي راتبه ثمناً لحذاء، مما يطرح الهوة الطبقية بين المقيمين والوافدين. وفي السياق نفسه، يرصد الرفاعي الاستغلال الذي يتعرض له بعض العمال الأجانب من قبل العامل المحلي، بالتواطؤ مع رب العمل، كما نرى في قصة “أبو عجاج طال عمرك”، فالعامل المحلي أبو عجاج هو مجرد مراسل في قسم إداري، يشغل وظائف عدة في آن، ويأتي لكل منها بعامل آسيوي، يمنحه جزءاً يسيراً من راتب الوظيفة ويحتفظ بالباقي لنفسه، ويمارس نوعاً من “الفهلوة” بعلم رؤساء العمل الذين يغطونه مقابل خدمات خاصة يقدمها لهم. وهكذا، تطرح القصة الاستغلال داخل الشريحة الاجتماعية نفسها، والفساد الإداري الذي يشكل شاهد زور على هذا الاستغلال.

 واقع غرائبي

 وإذا كان القاص في القصص الآنفة يأخذ من الواقع الحقيقي، الأسَري والوطني والعالمي، فإن ثمة قصصاً أخرى في المختارات يستوحي فيها الواقع الغرائبي، كما نرى في “ابتسامات” التي يقرر بطلها وصديقه الراوي فتح محل لشراء وبيع ابتسامات المسؤولين والمشاهير، وفي “بالونات” التي يرى فيها الراوي أو يتخيل الناس ينتفخون كالبالونات ويطيرون وينفجرون، وفي “ليال” التي يقوم فيها البرج بالتجول في المدينة، ويشاهد الموبقات فيها، حتى إذا ما قرر العودة إلى مكانه، تحذره الشرطة من الكلام عن مشاهداته، ويُحكَم عليه بالحبس قرب الشاطئ، مدى الحياة، فيلمّ به الحزن والهزال.

وفي “مرآة الغبش” التي تقول بخلل العلاقة بين سمحان الغريب الأطوار والراوي العادي ودفع المخلّ بها الثمن، يدفع الثاني ثمناً غالياً حين يحنث بالعهد الذي قطعه للأول بعدم مسّ الشابة المطلقة الجميلة بلقيس، فيفقد عضوه الذكري بينما يختفي سمحان من الوجود.

هكذا، نكون إزاء واقع غرائبي، هو الوجه الآخر للواقع العادي في المختارات، وكلاهما يشكل المصدر الذي يستوحي منه طالب الرفاعي حكاياته، ويضعها في أطر قصصية حديثة ومتنوعة، فيجمع بين اجتماعية الحكاية وحداثة القصة.      

نقلاً عن : اندبندنت عربية