يمر الكثيرون بتجربة فقدان شخص عزيز، سواء كان صديقًا مقربًا أو فردًا من العائلة، ونجد أنفسنا غالبًا نرغب في تقديم الدعم والمواساة. لكن أحيانًا نصاب بالحيرة والارتباك، فلا نعرف ما يجب أن نقوله أو نفعله في هذه المواقف الصعبة. وبينما قد تكون كلمات التعازي مصدر دعم كبير لكثير من الأشخاص، إلا أن البعض قد يرفضها تمامًا، بل وقد يعبر بصراحة عن عدم رغبته في تلقي أي مواساة خلال هذه المرحلة الدقيقة.
في هذا الإطار، أوضحت خبيرة العلاقات الإنسانية صابرين جابر، في حوارها مع “اليوم السابع”، أن الشعور بفقدان شخص عزيز يمكن تشبيهه بـ”الزلزال الداخلي” الذي يهز مشاعر المقربين. هذا الزلزال قد يدفع البعض إلى حالة من عدم التصديق، وقد يصل الأمر إلى رفض كامل لعبارات التعازي. تؤكد جابر أن هذا السلوك ليس دليلًا على القسوة أو البرود، بل هو استجابة نفسية طبيعية لأزمة عاطفية عميقة. هذه الأزمة قد تتفاقم كثيرًا إذا لم يجد الشخص الدعم المناسب من حوله.
فهم مشاعر الحزن
أضافت خبيرة العلاقات الإنسانية أن رفض التعازي لا يعني أبدًا غياب المشاعر أو انعدامها. بل قد يكون هذا الرفض نتيجة لتداخل معقد لمشاعر الحزن، الغضب، والإنكار، مما يجعل الشخص غير قادر على التعبير عما بداخله. أشارت جابر إلى وجود فرق جوهري بين من يحتاج إلى الحديث والتفريغ، ومن يحتاج فقط إلى الشعور بالأمان والاطمئنان. مؤكدة أن الصمت في بعض الأوقات قد يكون أكثر دعمًا وراحة من الكلمات الكثيرة، وأن مجرد الوجود الهادئ بجانب الشخص الحزين قد يمنحه راحة تفوق أي عبارات تقال.
كما لفتت إلى أن صدمة الحزن في بدايتها تؤثر بشكل كبير على قدرة العقل على الاستيعاب والفهم. هذا الأمر يجعل كلمات المواساة، مهما كانت نوايا مقدمها طيبة، تبدو أحيانًا مبالغًا فيها أو حتى مزعجة. أكدت خبيرة العلاقات الإنسانية أن “الكلام الجاهز” أو العبارات التقليدية لا تصل دائمًا إلى القلب. وأن المشاعر الصادقة والبسيطة هي التي تترك الأثر الأعمق، ففي بعض الأحيان، كل ما يحتاجه الشخص هو لمسة حانية تدل على الدعم أو حضور هادئ ومطمئن.
دعم الصديق وقت الحزن: ما هو المناسب وما هو المرفوض؟
جملة “شد حيلك” ليست دائمًا دعمًا
شددت خبيرة العلاقات الإنسانية على أن تجربة الحزن فردية بشكل كبير، وتختلف تمامًا من شخص لآخر، فلا توجد طريقة واحدة صحيحة للتعامل مع هذا الشعور. فما قد يريح شخصًا ويهدئ من روعه، قد يزعج آخر ويضايقه. لذلك، فإن عبارات مثل “شد حيلك” قد تُفهم أحيانًا بطريقة سلبية. وقد يراها الشخص دعوة لكبت المشاعر أو إخفائها، بينما يكون هو في أمس الحاجة إلى التعبير عن ألمه بحرية تامة ودون قيود.
في سياق كيفية مواساة ودعم شخص يرفض التعازي، أكدت الخبيرة أن الحضور الحقيقي لا يقتصر فقط على التواجد الجسدي بجانب الشخص. بل يجب أن يكون هذا الحضور هادئًا ومطمئنًا، ويشعر المتألم بالأمان والراحة. نصحت جابر باحترام رغبة الشخص في الصمت، مع منحه مساحة كاملة للاختيار. يمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام عبارات بسيطة ولطيفة مثل: “تحب تتكلم؟”، فهذه العبارة تمنحه إحساسًا بالأمان دون أي ضغط عليه، مع التأكيد المستمر على دعم الشخص حتى لو لم يكن مستعدًا للحديث في الوقت الراهن.
كيفية مواساة شخص عزيز
عندما يمر شخص عزيز علينا بفقدان مؤلم، فإن أفضل طريقة لتقديم الدعم هي أن نكون متفهمين لمشاعره المختلفة. يجب أن ندرك أن الحزن يتخذ أشكالًا متعددة، وقد يكون الصمت أفضل لغة للتعبير عن التعاطف. استمع أكثر مما تتكلم، وكن مستعدًا لتقديم أي مساعدة عملية يحتاجها، كإعداد وجبات الطعام أو المساعدة في المهام اليومية، دون أن تطلب منه ذلك بشكل مباشر.
الأهم هو أن يشعر الشخص بأنك موجود من أجله، بغض النظر عن طريقة تعبيره عن حزنه. لا تحاول فرض رأيك أو نصائحك، بل كن مصدرًا للأمان والراحة. تذكر دائمًا أن كل شخص يتعامل مع الحزن بطريقته الخاصة، ودورك هو أن تكون سندًا له في هذه المرحلة الصعبة، مقدمًا له الحب والدعم غير المشروط.

تعليقات