كيف يعيد العلاج بالفن برمجة أدمغة المصابين بفرط الحركة؟

كيف يعيد العلاج بالفن برمجة أدمغة المصابين بفرط الحركة؟

كثيرًا ما يُنظر إلى اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) على أنه مجموعة من التحديات والنواقص، لكن دراسة بحثية حديثة تدعو إلى تغيير هذه النظرة جذريًا. تسلط هذه الدراسة الضوء على العلاقة الوثيقة بين الإبداع والانتباه في أدمغة المصابين بهذا الاضطراب، مقدمةً رؤى جديدة ومبشرة لكيفية تحويل بعض السمات المرتبطة به إلى قوى دافعة للتفكير الإبداعي.

الدراسة التي قادتها الدكتورة رضوى خليل، عالمة الأعصاب بجامعة كونستركتور، ونشرت في مجلة iScience، تفتح آفاقًا لعلاجات جديدة وفعالة تعتمد على الأنشطة الإبداعية كبديل غير دوائي. هذا التوجه قد يشكل أملًا كبيرًا لما يقرب من 8% من الأطفال حول العالم الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

تفاصيل الدراسة: رؤية مختلفة لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

تُشير الدكتورة رضوى خليل إلى أن نتائج البحث تمثل تحولًا هامًا في فهم اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. فتقليديًا كان يتم التركيز على “ما الخطأ” و”ما هو المفقود” في حالات الانتباه، والنظر إليها من منظور النقص فقط.

لكن هذه الدراسة تكشف أن أنماط الانتباه غير التقليدية التي تميز المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ليست مجرد مشكلات. بل هي، في حقيقة الأمر، يمكن أن تفتح أبوابًا واسعة للتفكير الإبداعي الفعال، وذلك عندما يتم توجيهها بشكل سليم ومناسب.

تصف الدكتورة خليل الانتباه وكأنه “ضوء كاشف”. ففي حين يستطيع معظم الناس تركيز هذا الشعاع على شيء واحد فقط، تتميز أدمغة المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بكون مجال رؤيتها أوسع بكثير. هذا يمكنهم من استيعاب كمية أكبر من المعلومات في نفس الوقت.

هذا النمط من الانتباه، والذي أطلقت عليه “الانتباه غير المركز”، قد يجعل المهام الروتينية التي تحتاج إلى تركيز عميق صعبة، ولكنه في الوقت ذاته يشجع بشكل كبير على التفكير الاستكشافي ودمج الأفكار الجديدة، مما يغذي الإبداع بشكل ملحوظ.

أهمية الإبداع للأفراد المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

تقدم الدراسة آثارًا علاجية واعدة وعملية للغاية للأفراد المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والاضطرابات الأخرى ذات الصلة. فالأنشطة الإبداعية المتنوعة يمكن أن توفر لهم بيئة منظمة ومحفزة لتوجيه واستكشاف تشتت انتباههم بطرق بناءة.

تتمثل هذه الأنشطة في:

  • الفن والرسم
  • الموسيقى والعزف
  • الرقص والحركة
  • الكتابة القصصية أو الشعرية
  • الألعاب الإلكترونية الإبداعية

هذه الوسائل الإبداعية لا تقدم مجرد تسلية، بل تساهم بفاعلية في تقوية الشبكات العصبية المسؤولة عن التحكم في الانتباه. كما أنها تساعد في إعادة برمجة الأنماط التي تؤدي إلى سمات مثل الاندفاع وفرط النشاط، مما يعزز قدرة الدماغ على التنظيم والتركيز.

التعبير الإبداعي الأصيل يتجاوز حدود التسلية الممتعة بكثير، فهو يعمل على تفعيل نفس الدوائر العصبية المسؤولة عن التحكم في الانتباه، مما يوفر تمرينًا قيمًا للدماغ. على سبيل المثال، قد يجد الطفل المصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أن الانغماس في لحظات الإبداع الفني أو العزف الموسيقي يعزز بشكل كبير قدرته على التركيز، وذلك من خلال العمل مع أسلوبه المعرفي الطبيعي بدلًا من محاولة كبته.