دراسة: حرارة أعماق المحيط تذيب القارة القطبية الجنوبية من الأسفل

دراسة: حرارة أعماق المحيط تذيب القارة القطبية الجنوبية من الأسفل

كشفت دراسة دقيقة وموسعة، استمرت لعقود طويلة، عن تحذيرٍ خطيرٍ يهدد مستقبل القارة القطبية الجنوبية، حيث إنها تتعرض للذوبان ببطء ولكن بثبات من الأسفل. تُشير النتائج إلى أن حرارة أعماق المحيطات تقترب بشكل متزايد من الجروف الجليدية الهشة للقارة، مهددة بذلك ركناً أساسياً من توازن كوكبنا.

ركز العلماء في دراستهم على تتبع حركة كتلة مائية تُعرف بـ “المياه القطبية العميقة” (CDR). هذه المياه، التي عادةً ما تكون محصورة على عمق حوالي 500 متر (1600 قدم) تحت سطح المحيط، ومعزولة عن الصفائح الجليدية بفعل الطبقات الباردة، باتت الآن تتجه نحو السطح بفعل الرياح القوية، مما يسبب قلقًا بالغا. هذه الظاهرة لم تكن متوقعة بهذا الشكل والسرعة.

مياه دافئة تهدد القارة المتجمدة

على الرغم من أن درجة حرارة هذه المياه الدافئة لا تتجاوز الدرجتين مئويتين (35.6 درجة فهرنهايت)، إلا أنها كافية تماماً لبدء عملية إضعاف وتآكل الجروف الجليدية الهائلة في القارة القطبية الجنوبية. هذه الجروف الجليدية العملاقة والعائمة تلعب دوراً حيويًا وحساسًا في تثبيت وحماية الصفائح الجليدية والأنهار الجليدية الداخلية للقارة.

تحتوي هذه المنصات الجليدية على كميات هائلة من المياه العذبة، التي إذا ذابت بشكل كامل، يمكن أن ترفع مستوى سطح البحر العالمي بما يصل إلى 58 متراً (190 قدماً). هذا الارتفاع المحتمل يشكل تهديداً وجودياً للمدن الساحلية والمجتمعات حول العالم، مما يحتم علينا اتخاذ إجراءات فورية.

تغيرات غير مسبوقة في دوران المحيط

أوضحت البروفيسورة سارة بوركي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من معهد سكريبس لعلوم المحيطات، أن الوضع قد تغير بشكل جذري. لقد كانت الصفائح الجليدية في الماضي محمية بطبقة من الماء البارد، مما كان يمنعها من الذوبان بشكل فعال. أما الآن، فقد تغير دوران المحيط العالمي بشكل غير متوقع.

شبهت البروفيسورة بوركي الوضع الجديد بأن “أحدهم فتح صنبور الماء الساخن”، مشيرة إلى أن المياه أصبحت أكثر دفئاً بشكل ملحوظ. هذا التوسع والتحرك لحرارة أعماق المحيط نحو القطب الجنوبي كان قد تنبأت به نماذج المناخ سابقاً، لكن لم تكن هناك بيانات كافية لتأكيد حدوثه فعليًا.

التحديات في جمع البيانات والحلول المبتكرة

تكمن مشكلة كبيرة في أن جمع البيانات الدقيقة من المحيط الجنوبي يعتبر أمراً صعباً ومكلفاً، حيث أن السفن العابرة لا تقوم بجمع هذه البيانات إلا مرة واحدة كل عقد تقريبًا. هذا النقص في البيانات المنتظمة كان يشكل عائقاً أمام فهم التغيرات الحادثة بشكل دقيق وسريع.

للتغلب على هذا التحدي الكبير، لجأ الباحثون إلى حل مبتكر وفعال، حيث استخدموا شبكة عالمية من المجسات العائمة. هذه المجسات تقوم بجمع البيانات بشكل مستمر ودقيق أثناء انجرافها في الطبقات العُليا من المحيط، مما يوفر رؤى حيوية حول ديناميكية المياه.

جمع العلماء بيانات من عوامات “أرجو” مع البيانات التاريخية التي تم جمعها بواسطة السفن. هذا التكامل سمح لهم بإنشاء سجل مفصل يتألف من لقطات شهرية تمتد لأكثر من أربعة عقود. هذا السجل الشامل قدم دليلاً واضحاً ولا يمكن دحضه على وجود هذه التغيرات الجذرية.

تأثيرات ذوبان الجليد على المدى الطويل

أظهرت هذه البيانات بشكل قاطع، لأول مرة على الإطلاق، أن حرارة أعماق المحيط تتسلل فعليًا إلى القارة القطبية الجنوبية. هذا الاختراق لا يساهم فقط في ذوبان الجروف الجليدية مباشرة، بل يدفع أيضاً نقطة التقاء الجليد بالصخور الأساسية، المعروفة باسم “خط التماس”، نحو الداخل.

هذا التراجع في خط التماس يؤدي إلى تعريض المزيد من الجليد للمياه الدافئة بطريقة مباشرة، مما يخلق حلقة تغذية راجعة إيجابية خطيرة. هذه الحلقة بدورها تُسرّع من وتيرة فقدان الجليد، مما يزيد من مستويات سطح البحر ويهدد التوازن البيئي العالمي.

تُظهر هذه الدراسة مدى تعقيد وتداخل الأنظمة البيئية في كوكبنا، وتؤكد الحاجة المُلحة لاتخاذ إجراءات عالمية للحد من التغيرات المناخية قبل فوات الأوان.