مع التوسع الهائل للفضاء الرقمي، تتزايد المخاوف بشأن سلامة المراهقين، لاسيما على منصات التواصل الاجتماعي مثل “تيك توك”. تُشير تقارير حديثة إلى أن هذه البيئة الرقمية، بطبيعتها القائمة على التفاعل السريع والانتشار الواسع، قد تُشكل خطراً حقيقياً على الفئات الهشة، خاصة القاصرين، ما يستدعي تعزيز الوعي والتربية الرقمية المسؤولة.
المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة ضبط السلوكيات غير السليمة داخل هذه الفضاءات الرقمية، خصوصاً في غياب التوجيه والتربية الرقمية الفعّالة. ورغم الجهود المبذولة من قبل منصات مثل “تيك توك” لتعزيز أدوات الأمان – من خلال ضبط التعليقات، وتقييد بعض الخصائص على حسابات القاصرين، وتوفير وسائل للإبلاغ والحظر – إلا أن فعالية هذه الإجراءات تظل محدودة ما لم تُدعم بوعي رقمي حقيقي لدى المستخدمين وأسرهم.
الفئات الأكثر عرضة للخطر ودور الأسرة والمؤسسات التعليمية
يُؤكد المختصون في المجال الرقمي والاجتماعي على أن التحديات ما زالت قائمة أمام التطور السريع لأساليب الاستغلال الرقمي. ووفقاً للمختص في الشأن الاجتماعي، حسين زبيري، فإن الإشكال المطروح يتركز بدرجة أكبر على الفتيات مقارنة بالذكور، حيث يبدون أكثر عرضة للتأثر بفضاء “تيك توك” وغيره من منصات التواصل الاجتماعي لأسباب متعددة.
من أبرز هذه الأسباب ما يُسمى بـ “البحث عن التعويض”. فالقاصرات، في مرحلة بناء الهوية الاجتماعية، يسعين إلى تعزيز وتأكيد هذه الهوية. ومع غياب الدعم الكافي داخل الأسرة أو الوسط المدرسي، يجدن في الفضاءات الرقمية الافتراضية بديلاً يمنحهن شعوراً بالتقدير من خلال الإعجابات والتعليقات والتفاعل.
يُضاف إلى ذلك، دور الأسر غير المتماسكة أو التي يغيب فيها الاستقرار أو النموذج التربوي الواضح، مما يخلق فراغاً تربوياً يجعل الطفل أو المراهق أكثر قابلية للانجذاب إلى العالم الافتراضي. فسهولة الوصول إلى الفضاء الإلكتروني وغياب القيود الميدانية، مقارنة بالواقع الذي يفرض التزامات وتفاعلات اجتماعية معقدة، يجعل من العالم الرقمي ملاذاً يمنحهن شعوراً سريعاً بالقبول والانتماء.
ثقافة العرض والسعي للشهرة السريعة
يُبرز زبيري أيضاً ما يسميه بـ “ثقافة العرض”، المرتبطة بالمجتمع الاستهلاكي، حيث يُصبح الظهور والانتشار وعدد المتابعين والإعجابات نوعاً من رأس المال الرمزي. وفي هذا السياق، قد تُلاحظ بعض السلوكيات، حتى غير الملائمة منها، تجد اهتماماً كبيراً.
كما أن الرغبة المتزايدة لدى بعض المراهقين في تحقيق الشهرة السريعة أو الحصول على دعم مادي من خلال الهدايا الرقمية، تدفعهم أحياناً إلى تجاوز حدود الخصوصية أو مشاركة تفاصيل شخصية قد تُستغل لاحقاً بشكل سلبي.
في الختام، تُشدد هذه الإشكالات على الأهمية البالغة لتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، وضرورة حماية الفئات الهشة، خصوصاً القاصرين، من الاستغلال أو التأثيرات السلبية في الفضاء الرقمي. يتطلب هذا تضافر الجهود بين الأسر، المؤسسات التربوية، ومنصات التواصل نفسها لخلق بيئة رقمية أكثر أماناً وإيجابية.

تعليقات