يعتقد الكثيرون أن الحصول على معاش يعني التوقف التام عن العمل، أو أن العودة لوظيفة جديدة تُسقط الحق في المعاش تلقائيًا. لكن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، جاء ليُقدم تنظيمًا أكثر مرونة لهذه المسألة الهامة.
لقد فتح القانون الباب أمام حالات محددة تتيح الجمع بين المعاش والدخل الناتج عن العمل أو المهنة. يهدف هذا التنظيم إلى حماية المواطن وتوفير مصدر دخل إضافي له، دون حرمانه من معاشه الذي يُعد حماية اجتماعية أساسية.
هل يجوز العمل مع الحصول على معاش؟.. القانون يجيب
يتكرر هذا السؤال كثيرًا بين أصحاب المعاشات والمستحقين. الإجابة المختصرة هي: نعم، يجوز ذلك. لكن هناك ضوابط وشروط واضحة نص عليها القانون تحكم هذه المسألة.
في العادة، يُصرف المعاش كبديل للأجر بعد انتهاء الخدمة، أو بعد وفاة المؤمن عليه وانتقال الحق للمستحقين. لكن المشرع المصري تفهم أن الظروف الاقتصادية قد تدفع الكثيرين للبحث عن عمل إضافي لتحسين دخلهم، لذلك لم يُغلق الباب بشكل كامل أمام فكرة الجمع بينهما.
توضح المادة 104 من القانون هذه النقطة بشكل صريح، حيث تنص على أنه: “استثناءً من أحكام حظر الجمع، يجوز الجمع بين الدخل من العمل أو المهنة والمعاش في الحدود التي حددها القانون”. وهذا يعني أن مجرد الالتحاق بعمل جديد لا يعني تلقائيًا وقف صرف المعاش كما يظن البعض.
متى يسمح القانون بالجمع بين المعاش والراتب؟
وفقًا للنص القانوني، يستطيع المستحق للمعاش أن يجمع بين معاشه والدخل الذي يحصل عليه من عمل أو مهنة حرة. لكن هذا الجمع يكون في حدود قيمة الحد الأدنى للمعاش المقرر قانونيًا.
بمعنى آخر، يمكن للمواطن أن يحصل على مصدرين للدخل في آن واحد؛ معاش ثابت وراتب أو دخل من عمل جديد. وإذا تجاوز الدخل من العمل هذه الحدود، يتم التعامل مع الفروقات وفقًا لآليات تسوية تحددها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي. فالعمل لا يُحرمك من المعاش مباشرة، بل يتم احتساب الأمر بناءً على قيمة المعاش والدخل معًا وتطبيق الضوابط المحددة.
ليس كل من يعمل يُوقف معاشه
هناك نقطة هامة يغفل عنها كثيرون، وهي وجود فرق بين صاحب المعاش الأصلي الذي خرج على المعاش ثم عاد للعمل، وبين مستحق المعاش عن شخص متوفى (مثل الأرملة أو الابن أو الوالدين) ثم التحق بعمل. فالقانون لم يضع قاعدة واحدة للجميع، بل فرق بين حالات الجمع والوقف.
يرتبط الأمر بصفة المستحق ونوع المعاش والدخل الذي يحصل عليه. لذا، فإن الاعتقاد الشائع بأن “أي شخص يعمل سيُقطع معاشه فورًا” هو اعتقاد غير صحيح قانونيًا.
الأرملة تستطيع العمل والحصول على المعاش دون حرمان
من أبرز الحالات التي منحها القانون حماية واسعة، هي الأرملة المستحقة لمعاش عن زوجها المتوفى. فقد سمح لها المشرع أن تجمع بين معاشها عن زوجها ودخلها من العمل أو المهنة، وذلك دون التقيد بأي حدود قصوى.
وذلك يعني أن عمل الأرملة في وظيفة حكومية أو خاصة، أو مزاولتها لمهنة حرة، لا يُسقط أبدًا حقها في الحصول على معاش زوجها. تُعد هذه ميزة اجتماعية مهمة جدًا تُظهر حرص القانون على عدم زيادة الأعباء على المرأة بعد فقدان العائل.
الأرمل له نفس الحق
ولم يقصر القانون هذه الميزة على المرأة فقط، بل منح الأرمل الحق ذاته. فيمكن للأرمل أن يجمع بين المعاش المستحق عن زوجته وبين معاشه الشخصي أو دخله من العمل، دون التقيد بالحد الأقصى للجمع المعتاد. يأتي هذا لتطبيق مبدأ المساواة بين جميع المستحقين.
هل يمكن للابن أو الابنة المستحقة العمل مع صرف المعاش؟
يُعد هذا السؤال من الأكثر انتشارًا، خاصة في حالات وفاة الأب أو الأم وصرف معاش للأبناء المستحقين. هنا، يربط القانون استمرارية الاستحقاق بعدة شروط تتعلق بالسن، والحالة الاجتماعية، والعمل.
لذا، فإن التحاق الابن بعمل يدر عليه دخلًا قد يؤثر على استمراره كمستحق، وذلك يعتمد على طبيعة الحالة الفردية. فبعض فئات المستحقين يكون شرط استحقاقها عدم وجود مصدر كسب معين، أو توافر شروط أخرى. لذلك، تختلف كل حالة بحسب ملفها التأميني الخاص.
لماذا سمح القانون بالعمل مع المعاش؟
لم يأتِ هذا التنظيم للقانون من فراغ، بل سعى لتحقيق ثلاثة اعتبارات أساسية ومهمة للمجتمع:
- مواجهة الأعباء المعيشية: غالبًا ما يكون المعاش غير كافٍ وحده لتغطية الاحتياجات الأساسية، لذلك أتاح القانون فرصة العمل دون الحرمان من الحماية الاجتماعية للمعاش.
- الاستفادة من الخبرات: الكثير من أصحاب المعاشات يمتلكون خبرات مهنية قيمة جدًا. حرمانهم من العمل بعد التقاعد كان سيعني إهدارًا لتلك الخبرات الثمينة التي يمكن أن تفيد المجتمع.
- توفير حماية للمستحقين: يهدف القانون إلى حماية المستحقين، خاصة الأرامل والأرامل الذكور والوالدين، لكيلا يكون حصولهم على فرصة عمل سببًا في فقدان دخلهم التأميني، مما يوفر لهم استقرارًا ماليًا.
في الختام، يؤكد قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات أن العمل بعد الحصول على المعاش ليس ممنوعًا بشكل مطلق. كما أن صرف المعاش لا يتوقف تلقائيًا بمجرد بدء وظيفة جديدة.
بل أجاز القانون الجمع بين المعاش والدخل من العمل أو المهنة في حالات محددة. بعض هذه الحالات تكون في حدود الحد الأدنى للمعاش، بينما في حالات أخرى -مثل الأرملة والأرمل- يكون الجمع دون أي حدود. وهذا ما يجعل مراجعة الحالة التأمينية لكل مستحق أمرًا ضروريًا قبل الافتراض الخاطئ بسقوط الحق في الصرف.

تعليقات